وذكر"عبده"في قوله تعالى (أَسْرَى بِعَبْدِهِ) ، للإشارة إلى قرب من نبيه فقد خلص له، ولم يكن بينه وبينه حجاب إلا العبودية، وأضافه إليه سبحانه لمعنى الاختصاص وأنه صار خالصا للَّه سبحانه وتعالى، وفي ذلك إشارة إلى معنى دعائه - صلى الله عليه وسلم:"إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي"فقال له ربه: أنت عبدي، أي أنت لي خالصا.
وقد عين ابتداء السير، وانتاءه فقال سبحانه: (مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا) فالابتداء من المسجد الحرام لَا من مكة كلها، وصحت الرواية
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه أسرى به من الحِجْر في المسجد، وقيل إنه أسرى به من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، ونحن نرى أن الأولى أن يكون ابتداء الإسراء من الحجر، لصحة الرواية ولأنها التي تتفق مع النص، لأن النص ذكر أنه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومكة وإن كانت حرما آمنا لأجل المسجد الحرام، فليست كلها الكعبة ولا المسجد الحرام.
والمسجد الأقصى هو بيت القدس، قيل إن الذي بناه يعقوب بن إسحاق عليهما السلام، ومهما يكن تاريخ بنائه فهو مسجد مقدس كما قال - صلى الله عليه وسلم:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: البيت الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا".
وهو إحدى القبلتين - أولهما - اتجه إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة، فقد كان في صلاته يصلي متجها إليه غير مستدبر الكعبة، ولما هاجر استمر يتجه إلى بيت المقدس وحده نحو ستة عشر شهرا.
وكان الإسراء قبل الهجرة بعام، وبعد موت أم المؤمنين خديجة، وعمه أبي طالب، وقد ذكرت في أول القول ما كان للإسراء من أثر نفسي في التسرية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.