(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) (الأنبياء 5) .
(ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) (القصص 36) .
وحينا مضوا بعد أن سمعوا القرآن، يقولون قول العاجز المحنق، يخفى عن الناس عجزا لا يستطيع هذا القول أن يستره: (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (الأنفال 31) .
ولم لم يشاءوا القول، والقرآن يدعوهم في كل آونة إلى القول؟
وحينا أخذوا يوهمون الناس أن ليس في هذا القرآن ما يستحق المعارضة؛ لأن من جاء به مجنون لا يؤبه لقوله: (وَقالُوا ياأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (الحجر 6) .
(وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) (الصافات 36) .
وتلك حيلة لم تجز على أحد، والقرآن صباح مساء، يستطيل عليهم بأنهم عاجزون عن معارضته، ويتحداهم بأن يأتوا بآيات قليلة من مثله، ويذكر فيما يذكر تعظيم شأنه وتفخيم أمره، فيقول: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر 23) .
(وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (الحجر 87) .
(إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء 9) .
(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء 82) .
(لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر 21) .
وذلك كله مما يدفعهم إلى مباراته، ليضعوا من شأنه، وينزلوه عن تلك المنزلة التي يدعيها لنفسه، ولكنهم لم يفعلوا، مع إيمانهم في صميم قلوبهم، بما له من سلطان على نفوسهم، وأثر عميق فيها، وانتهى الأمر بهم إلى أن فكروا في حيلة صبيانية، تحول بينه وبين التأثير في نفوس سامعيه، تلك هي أن يمنعوا أنفسهم من الإصغاء إليه، ويمنعوا غيرهم من ذلك، ظنا منهم أنهم ربما انتصروا بهذه الوسيلة الخاسرة: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصلت 26) .