جوز الزمخشري نصب (مقاما) على الظرف، على تضمين يبعثك معنى يُقيمك ومثله حكاه الزركشي، وأبو حيان. وقال الجمل: (مقاما) يجوز أن يكون مفعولا به ليبعثك على تضمنه معنى (يعطيك) أو على تضمين الفعل المذكور ذلك أي عسى أن يبعثك فيقيمك مقاما أي في مقام أو يقيمك في مقام محمود باعثا، وهو مصدر من غير لفظ الفعل لأن: نبعث بمعنى نقيم. تقول: أقيم من قبره وبُعث من قبره.
أقول: ولعل الأنهضَ بالمراد والأضوغ في الدلالة تضمينه معنى (منح) فالتهجد مِنْحة ربانية، عسى أن يمنحك به ربك المقام المحمود، مقام الشفاعة، يُعليك ويرفعك بها. ولو سألت لم جاء بلفظ البعث إن كان المراد منح الرفعة والعلو؟ لقلت: قد ينصرف العلو إلى الدنيا فاللَّه أعطاه مكانة في الدنيا لم يمنحها لأحد من رسله مما يُكتب وُينشر عن سيرته العطرة، ولكن المراد علو الآخرة، فلذلك جاء بلفظ البعث، فجمع التضمين المعنيين: أحدهما مدلولا عليه بالتعريض والتلميح لتبدو محاسنه والآخر بالتصريح مَنْبهةَ على غرضه، فتعدى إلى مفعولين، وهكذا ألقى التضمين النورَ في المادة اللغوية فحلِيت به وأنِقتْ له، لِتَتَزَاحَمَ الأغراض على جهاته حسب انتظامه في سياقه وتسليكه في عبارته، فاعتاده كلما مسَّت بك الحاجة إليه فهو مما يستعان به ويفزع إليه.
(فائدة أخرى)
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)
ذكر أبو حيان: قال ابن عطية: الضمير يعود على الوقت والباء بمعنى في. وكذلك أبو السعود: ونافلة يجوز أن ينتصب بـ تهجد إذا تضمن معنى صل نافلة لك. قاله الحوفي.
وقال الآلوسي: الضمير (به) يعود على القرآن والباء للظرفية أي فيه.
أقول: (تهجد) تضمَّن معنى (تزود) وهذا يتعدى بالباء. والتنفل تطوع يتزود به المتنفل، ولا غنى للدعاة عن هذا الزاد إذا أرادوا النجاح لدعوتهم.
هذا هو الزاد لهذا الطريق: التهجد للتزود بالقرآن، بالتقوى.
القرآن روح الصلاة وقوامها ... فيه شفاء ... فيه رحمة ... فيه طمأنينة ... به الزاد كله.
شفاء من آفات القلب، ونزغات الشيطان، وعصمة من الشطط والزلل، ونور يضيء الطريق للسالكين، وفيه علم الأولين والآخرين.