فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 260938 من 466147

بقي سؤال: إذا كان المراد انشغال الفكر والقلب بالقرآن فلم قال يستمعون؟ لو قال يهتمون به لضاعت علينا وسيلة الاهتمام وهي السمع إلا أن يقول: يهتمون بما يسمعونه من القرآن أو يشغلون به أسماعهم ما دامت معجزته صلوات اللَّه عليه سمعية وليست بصرية كموسى وعيسى.

ولو قال يسمعونه بدلًا من يستمعون به لضاع علينا انشغال قلوبهم بسحر بيانه، والإعجاز البياني يقتضي الإيجاز.

وتعدية الفعل بغير حرفه المألوف وفر لنا هذا الإعجاز عن طريق التضمين، فافزعْ إليه لتحلى نفسُك به، إنه الشَّهْدُ: من ذاق عرف.

(وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ...(59)

ذكر العز بن عبد السلام: أي فكفروا بها ظالمين، أي فكذبوا بها ظالمين. وقال القرطبي: جحدوا بها وكفروا أنها من عند الله.

وذكر الآلوسي: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ) بآياتنا متعلق بـ يظلمون لتضمنه معنى (يكذبون أو يجحدون) . وكذلك أبو حيان. وقال الزمخشري: كذبوا.

أقول: تضمن (ظلم) معنى (خان وختل وخدع) وهذه تتعدى بالباء لأن نفوسهم الظالمة خدعتهم فالقرآن معجزة الإسلام الباقية إلى يوم القيامة يخاطب الفكر والقلب ويلبي الفطرة. أما المعجزة المادية فتقتصر على من يشاهدها. فثمود الذين طلبوا آية جاءتهم الناقة وفق طلبهم ولكنهم جحدوا بها فأوردوا أنفسهم موارد الهلكة تصديقا لوعد اللَّه بإهلاك المكذبين بعد مجيء الخوارق والمعجزات، وقد رأوا المعجزة الباهرة في الناقة المبصرة.

لقد جمع التضمين الظلم إلى الجحد، والتكذيب إلى الخيانة والختْل والخدْع في هذه الباء، ظلموا أنفسهم فخسروها وجحدوا بآية مرئية فأنكروها، وكذبوا بآية حسية وختلوا وخدعوا وخانوا فاستحقوا وقوع العذاب. وبهذا جمع التضمين هذا الشتات فأوعى.

إنه التضمين يكشف عن طبيعة الصنعة في هذه اللغة الشريفة، وعن الغرض من إبدال هذه الحروف، والإشعاع المنير الذي يستضيء به الفعل حين يمسه حرف لا يألفه ولا يأنس به فإذا له خيال مشبوب كأنما كسبت روحه قوة، وشبَّت في نفسه شبابا يزيد في معناه، ويتفتح عن رصيده المذخور، وإيحائه المُتجدد.

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا(79)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت