قال الله - جل وتعالى - في هذه الآية التي بدأنا الفصل بها.
ومنها: التحفظ في الشهادة على الحقوق. وقد ذكره الشافعي -
رضي الله عنه - في كتاب الشهادات.
ومنها: حفظ السمع عنِ استماع المنكر كله ، وغضّ البصر عن
المحارم كلها.
ومنها: أن الله - تبارك وتعالى - يسأل عن الإضمارات والطوايات
المذمومة ، وإن لم تساعدها الجوارح بالحركات ، لأن الأفئدة محل الضمائر
والنيات ، وبها تصح جميع أعمال الجوارح والحركات.
وليس في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إخبارا عن ربه - تبارك
وتعالى - أنه يقول لملائكته:"إذا هَمَّ عَبدِي بسيئة فلا تكتبوها حتى"
يعملها"ما يدفع ذلك ، لأن ذلك هو في الاهتمام بسيئة لا تعمل"
إلا بالجوارح مثل القتل والزنا وأشباهه مما لا يستطاع فعلها إلا بالجوارح
فتجاوز الله رفقًا بعباده ورحمة لهم عن الاهتمام بها دون الفعل. إذ
الاهتمام يضاهي الخاطر والشهوة وهما غير مملوكين. فأما ما كان
سلطانه فيه للقلب من الطوية على الكفر ، وحفظ المنكر وأباطيل السحر
وأشباهه فالإضمار عليه والقبول له عمل يكتبه الحافظ ، ويسأل عنه
الرب جل وتعالى.
ومن زعم أن خطرة المعصية التي لا تتم إلا بالفعل يسأل عنها إذا
طالت عليه ، وتمكنت شهوته من قلبه وإن لم يعملها بجوارحه ،
واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إذا توجه المسلمان"
بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) قيل: يا رسول الله: هذا القاتل
قد عرفناه ، فما بال المقتول ، فقال:"إنه كان حريصًا على قتل"
صاحبه"."
فقد أغفل عندي ، لأن المتواجهين بالسيفين كليهما مستعمل
جوارحه ويريد ضرب صاحبه بعمل يده ، واستعمال حديدته ، ونفس
إشارة الحديد إلى المسلم ، والحمل عليه وتخويف به معاصٍ كلها
معمولة بجارحة اليد وقوة البدن ، فكان يصح تأويله لو كان أحدهما كافا
يده مقتصرًا على إضمار قلبه ، والآخر مضمرًا ومستعملاً. فأما وكلاهما