وطاقته ويكره أن يسير في الناس على لسان غيره فضلا عن أن يتفكه هو
بها ، ويذيعها فيمن يعرج بهتك الأستار أجدر أن يعد في عِداد الفجار ،
ولا يقبل قوله في الأخبار.
وأرى نساك زماننا قد أهملوا هذا من أنفسهم ، وأغفلوه في
رعياتهم ، وتسرعوا إلى تعليق العيوب على إخوانهم المؤمنين يوهمهم
الشيطان أنهم بذلك إلى الله متقربون ، ولدينه ناصرون ، وبحقه قائلون.
فقصارهم اتباع عورات المسلمين ، وهتك أستار المستورين بعد
الجهلة المغتابين فيفسقون من يجهلون حاله بشهادة من يشهد بفسقه غيبته
المحرمة بنص القرآن ، ويحققون الظنون على المستورين بإذاعة
الكذابين.
أليس يعلمون أن أهل الإفك ما أهلكهم إلا الظنون السيئة بأم المؤمنين ، والخير من الصحابة الفاضلين صفوان بن المعطل - رضي الله عنه -
حيث تخلف من وراء الجيش ، وأقامت أم المؤمنين
المبرأة بكلام رب العالين على التماس العقد حتى اجتمعا على غير
تواطؤ ، ولا إرادة سوء في منزل واحد ، وَبَقِيَا معًا منفردَين حتى
أبقا بالجيش ، وهلك فيهما من هلك.
أفترى شهادة المغتابين والمذيعين الفواحش بالبلاغات ، وفقد المعاينات
أبلغ في فسق المستورين من اجتماع هذين المعصومين رضي الله عنهما -
على حال يقدح معشارها في قلوب المنافقين ، وتطلق أَلسُن المفتونين على
البرية الرضية أم المؤمنين وصاحبها الخير من المسلمين حتى أدتهم ظنونهم إلى
ما أدت ، ونزل فيهم في تكذيبهم ، وفي براءة المرميين من الآيات في
سورة النور ما نزل فيها: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ،
وفيها: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ(12) .
أوليست هذه الآيات - وإن كانت خاصة في براءتهما - فهي مأدبة