وقوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا} محل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: كدنا له كيدًا مثل ذلك الكيد العظيم، يعني: عَلَّمناه إياه وأوحينا به إليه. وقيل: كدنا لأجله إخوته، بأن رددنا الحكم إليهم حتى أُخذ منهم أخوهم بما يوجبه حكمهم.
وقوله: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (أن) في موضع نصب على الاستثناء، والأصل: إلّا بأن يشاء الله، أي: إلا بمشيئة الله، والاستثناء منقطع، ويحتمل أن يكون متصلًا، أي: ما كان له أن يأخذه في كل حال إلا في حال مشيئة الله وإرادته ذلك، وهو أَنْ كاد له حتى وجد السبيل إلى ذلك، بأن أجرى على لسان إخوته أنَّ جزاء السارق الاسترقاق، فأقروا به ورضوا بتسليم الأخ إليه، وذلك لم يكن إلا بمشيئة الله وإذنه فيه.
وقوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} قرئ: (دَرَجَاتِ مَنْ) بالإضافة، وهي مفعول {نَرْفَعُ} . وقرئ بالتنوين، و {مَنْ} مفعول {نَرْفَعُ} ، و {دَرَجَاتٍ} مفعول ثان على إرادة الجار، وهو إلى، أو ظَرْفٌ، وقد ذكر في"الأنعام".
وقرئ أيضًا: (يرفع) بالياء (درجاتٍ) بالتنوين، والمنوي فيه لله جل ذكره.
وقوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (عليم) رفع بالابتداء وما قبله خبره، أي: فوقه أرفع درجة منه في علمه. وقيل: المراد بالعليم الله جلت عظمته، بمعنى: فوق العلماء كلهم عليم، هم دونه في العلم وهو الله عز وعلا.
وقرئ: (فَوقَ كُلِّ ذي عَالِمٍ عَليمٌ) ، على جعل (عالم) مكان {عِلْمٍ} ، وفيه ثلاثة أوجه ذكرهن أبو الفتح:
أحدهما: أن يكون عالم مصدرًا كالباطل وشبهه مما هو على وزنه، فتكون هذه القراءة كقراءة الجماعة.
والثاني: أن يكون من إضافة المسمى إلى الاسم، أي: وفوق كل شخص يسمى عالمًا، أو يقال: له عالم عليم، وأنشد:
342 -إِلَيْكُم ذَوِي آلِ النَّبِيِّ تَطَلَّعَتْ ... نَوَازعُ مِنْ قَلْبِي ظِمَاءٌ وَأَلْبُبُ
أي: إليكم يا آل النبي، أي: يا أصحاب هذا الاسم الذي هو آل النبي.
والثالث: أن يكون على مذهب من اعتقد زيادة (ذي) ، فكأنه قيل: (وفوق كل عالم عليم) .