ومنها: أن قول يوسف ، صلى الله عليه وسلم: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)
وإبلاء الله - جل وعلا - إياه اتعاظ لغيره أن لا يختار على سؤال العافية شيئا ، وقد روي عن معاذ بن جبل أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مر برجل وهو يقول: اللهم إني أسألك الصبر ، فقال:"سألت الله البلاء ، فاسأل الله العافية ، وأنه ، صلى الله عليه وسلم ، عاد رجلا قد صار مثل الفرخ ، فقال:"ما كنت في داعيا به ، فقال: كنت أقول: اللهم ما كنت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا ، فقد صرت كما ترى ، فقال:"ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
وروي في بعض الأخبار: أن يوسف ، صلى الله عليه وسلم ، لو سأل العافية ولم يسأل السجن لأعطي.
قوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ(41)
قد صح من حيث لا ارتياب فيه أن البلاء موكل بالمُنْطَقِ ، وذلك أن هذين لم يكونا رأيا ما قالا ، وكأنهما تحالما وبليا.
قوله: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ).
نظير ما مضى في إباحة تسمية المخلوق بأسامي الخالق ، ألا ترى
أنه أخبر به عن نبيه ، صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكره هو جل وعز ، وكذلك قوله (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ) .
وكذلك قوله: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ)
، وكل هذا حجة واضحة في إباحة ذلك ، وقد لخصناه في سورة آل عمران.
قوله: (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)