(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ ياأَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ(84)
وإنما تأسف على يوسف دون أخويه لأن محبته كانت أشد لإفراط محبته فيه، ولأن مصيبته سبقت عليهما. وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ من كثرة البكاء مِنَ الْحُزْنِ، كأَنَّ العَبْرَةَ محقت سوادها، وقيل: ضعف بصره، وقيل: عمي.
ولعل أمثال ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قلَّ من يملك نفسه عند الشدائد، وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال: «القلْبُ يَحْزَنُ، والعَيْنُ تَدمَعُ، ولا نَقُولُ إلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وإنَّا على فِراقِكَ يا إبراهِيمُ لَمَحْزُونون» .
(فَهُوَ كَظِيمٌ) أي: مملوء غيظاً على أولاده لما فعلوا.
أو كاظم غيظه، ماسك له، لم يظهر منه شيئاً، ولم يشك لأحد.
(وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ(87)
(لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) بالله وصفاته لأن العارف لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال. وإنما جعل اليأس من صفة الكافر لأن سببه تكذيبٌ بالربوبية، أو جهل بصفة الله وقدرته، والجهل بالصفة جهل بالموصوف، فالإياس من رحمة الله كفر.
وأما حديث الرجل الذي قال: (إذا متُّ فاحرقوني، ثم اذْروني في البحر والبر في يوم رائح، فلئِنِ قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحد من الناس) ، حسبما في الصحيح «1» ، فليس فيه اليأس ولا تعجيز القدرة، لكن لما غلبه الخوف المفرط لم يتأمل ولم يضبط حاله إما لحقه من الخوف وغمره من الدهش والخشية، دون عقد ولا إصرار على نفي الرحمة واليأس منها. ويدل على ذلك قوله: (لما قال له الرب - تعالى -: ما حملك على هذا؟ قال: مخافتك، فغفر له) .
ولم يقل اليأس من رحمتك. انظر المحشي الفاسي.
(1) أخرج قصة هذا الرجل البخاري في (الرقاق، باب الخوف من الله) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.