فَأَمَّا الْحَبْسُ الدائم فإنه لا يعبر بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، بَلْ يُقَالُ: يَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ أَلَا تَرَى أَنَّ فِرْعَوْنَ هَكَذَا قَالَ حِينَ تَهَدَّدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشُّعَرَاءِ: 29]
وَثَالِثُهَا: أَنَّهَا لَمَّا شَاهَدَتْ مِنْ يوسف عليه السلام أنه استعصم منها أَنَّهُ كَانَ فِي عُنْفُوَانِ الْعُمُرِ وَكَمَالِ الْقُوَّةِ وَنِهَايَةِ الشَّهْوَةِ، عَظُمَ اعْتِقَادُهَا فِي طَهَارَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ فَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَقُولَ إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَصَدَنِي بِالسُّوءِ، وَمَا وَجَدَتْ مِنْ نَفْسِهَا أَنْ تَرْمِيَهُ بِهَذَا الْكَذِبِ عَلَى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ بَلِ اكْتَفَتْ بِهَذَا التَّعْرِيضِ، فَانْظُرْ إِلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ مَا وَجَدَتْ مِنْ نَفْسِهَا أَنْ تَرْمِيَهُ بِهَذَا الْكَذِبِ وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْحَشْوِيَّةَ يَرْمُونَهُ بَعْدَ قَرِيبٍ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ بِهَذَا الذَّنْبِ الْقَبِيحِ.
ورابعها: أن يوسف عليه السلام أراد يَضْرِبَهَا وَيَدْفَعَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا جَارِيًا مَجْرَى السُّوءِ فَقَوْلُهَا: مَا جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا جاريا مَجْرَى التَّعْرِيضِ فَلَعَلَّهَا بِقَلْبِهَا كَانَتْ تُرِيدُ إِقْدَامَهُ عَلَى دَفْعِهَا وَمَنْعِهَا وَفِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ كَانَتْ تُوهِمُ أَنَّهُ قَصَدَنِي بِمَا لَا يَنْبَغِي.
(قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ(26)
وَفِي هَذَا الشَّاهِدِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: