أما الأخباريون فقالوا لما بعدوا به عن العمران أظهروا له الجفاء والعداوة مما هو كامن في صدورهم ، طفقوا يضربونه ، وصار كلما استغاث بواحد منهم ضربه ، فلما رأى عزمهم على قتله شرع يصيح يا أبتاه لو رأيت ما نزل بيوسف من اخوته لأحزنك وأبكاك ، يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك ، فأخذه روبيل وضرب به الأرض وجثم على صدره ليقتله ، فاستغاث بيهوذا فأدركته رحمة الأخوة ورقّ له ، فقال يا اخوتي
ما على هذا عاهدتموني فخلّصه من يده ، وقال ألقوه بالجب ، فإما أن يموت أو يلتقطه بعض السيّارة.
فذهبوا إلى بئر هناك ضيق الرأس واسع الأسفل فشدوه بحبل ودلوه فيه ، فتعلق بشفيرها وكانوا شلحوه قميصة ، فقال دعوه أستتربه ، فلم يفعلوا ، وقال لهم أتتركوني في هذه البرية وبهذا الجب فريدا وحيدا ؟! فقالوا له دع الشمس والقمر والكواكب يسترونك ويؤنسونك ، وأرسلوه في البئر وهو يستغيث بهم ولا مغيث ، ولما بلغ نصف البئر ألقوه إرادة موته ، وكان في البئر ماء فسقط فيه ، وتركوه ورجعوا وقالوا إن ملكا أرسله اللّه إليه فحلّ وثافه ، وأخرج له صخرة من البئر فأجلسه عليها ، وقالوا إن يعقوب لما بعثه مع إخوته أخرج له قميص إبراهيم الذي كساء اللّه إياه في النار حين ألقي فيها وهو من الجنة ، فجعله في قبعته وجعلها في عنقه ، فأخرجه الملك وألبسه إياه ، فأضاء له الجب من بريقه ، وعذب ماء الجب ، وصار له غذاء وشرابا ، ولما نهض الملك ليذهب وكان جبريل عليه السلام قال له يوسف إذا خرجت استوحشت ، فقال له إذا رهبت فقل: يا صريخ المستصرخين ، ويا غوث المستغيثين ، ويا مفرج كرب المكروبين ، قد ترى مكاني ، وتعلم حالي ، ولا يخفى عليك شيء من أمري ، فقالها فاستأنس وحفته الملائكة.