واعلم أن سبب هذه المودة والمحبة لهما لصغرهما ووفات أمهما أو لأمر تفرسه فيهما ، وهذا أقرب لأنه لو كان الحب بسبب الصغر لأحب بنيامين أكثر من يوسف ، ولكنه عليه السلام رأى فيه من مخايل الخير ما لم يره فيهم ، وزاد ذلك ما فهم من مغزى الرؤيا وليس هو بالصغير ليقال لصغره ، والصغير محبوب عند كل أحد ، قيل لابنة الحسن أي بنيك أحب إليك ؟ قالت الصغير حتى يكبر ، والغائب حتى يحضر ، والمريض حتى يشفى.
وقيل في هذا المعنى:
إن البنان الخمس أكفاء معا والحلي دون جميعها للخنصر
وإذا الفتي فقد الشباب سماله حب البنين ولا كحب الأصغر
وهذان البيتان وقبلهما بيتان للوزير أبي مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري.
هذا وأنه عليه السلام لم يفضله إلا بالمحبة القلبية ، وهي خارجة عن وسع البشر لأنها أمر باطني ، وليس في طوقه دفعها ، يؤيد هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم اللهم هذا قسمي فيما أملك ولا قدرة لي على ما لم أملك.
وذلك لأنه من مقتضيات حس الأرواح التي هي من أمر اللّه وقد وقع منهم هذا قبل النبوة على القول المعتمد فلا يعد حسدهم
هذا لأخويهما ورمي أباهما بالعقوق المستفاد من قولهم (لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) وإلقائهم أخاهم في البئر قادح في نبوتهم ، لأن العصمة بعد التشرف بالنبوة ، ويجوز قبلها أن يقع من النبي مثل ذلك ، وقدمنا ما يتعلق بعصمة الأنبياء في الآية 23 من سورة الأعراف والآية 2 من سورة طه في ج 1 وكذلك في الآية 15 من سورة القصص المارة فراجعها.
ثم بين تعالى ما قرّ عليه رأيهم من الكيد ليوسف بقوله"اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً"بعيدة بدلالة التنكير أي أن التخلص منه بأحد أمرين: إما بقتله أو تغريبه في مكان بعيد ، لأن التغريب يحصل به المقصود كالقتل وجرمه هين خفيف ، وقيل في هذا:
حسنوا القول وقالوا غربة إنما الغربة للأحرار ذبح