فأما يوسف فقد أشرنا من قبل إلى موقفه الأخير متجردا من كل شيء , نافضا عنه كل شيء , متجها إلى ربه , مبتهلا إليه في انكسار وفي خشوع يناجيه:
رب قد آتيتني من الملك , وعلمتني من تأويل الأحاديث , فاطر السماوات والأرض , أنت ولي في الدنيا والآخرة , توفني مسلما وألحقني بالصالحين . .
ولكن هذا الموقف الأخير لم يكن هو كل شيء في هذا الجانب ; فهو على مدار القصة يقف هذا الموقف , موصولا بربه , يحسه - سبحانه - قريبا منه مستجيبا له:
في موقف الإغراء والفتنة والغواية يهتف:
(معاذ الله , إنه ربي أحسن مثواي . إنه لا يفلح الظالمون) . .
وفي الموقف الآخر وهو يخشى على نفسه الضعف والميل يهتف كذلك:
(رب , السجن أحب إلي مما يدعونني إليه , وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) . .
وفي موقف تعريف نفسه لأخوته , يبين فضل الله عليه ويشكر نعمته ويذكرها:
(قالوا:أئنك لأنت يوسف ? قال:أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا , إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) . .
وكلها مواقف تحمل إيحاءات يتجاوز مداها حاجة الحركة الإسلامية في مكة , إلى حاجة الحركة الإسلامية في كل فترة .
وأما يعقوب ففي قلبه تتجلى حقيقة ربه باهرة عميقة لطيفة مأنوسة في كل موقف وفي كل مناسبة ; وكلما اشتد البلاء شفت تلك الحقيقة في قلبه ورفت بمقدار ما تعمقت وبرزت . .
فمنذ البدء ويوسف يقص عليه رؤياه يذكر ربه ويشكر نعمته:
(وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث , ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق , إن ربك عليم حكيم) . .
وفي مواجهة الصدمة الأولى في يوسف يتجه إلى ربه مستعينا به:
(قال:بل سولت لكم أنفسكم أمرا , فصبر جميل , والله المستعان على ما تصفون) . .