وفي مواجهته لعاطفته الأبوية الخائفة على أبنائه , وهو يوصيهم ألا يدخلوا من باب واحد وأن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة , لا ينسى أن هذا التدبير لا يغني عنهم من الله شيئا , وأن الحكم النافذ هو حكم الله وحده ; وإنما هي حاجة في النفس لا تغني من الله وقدره:
وقال:يابني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة , وما أغني عنكم من الله من شيء , إن الحكم إلا لله , عليه توكلت , وعليه فليتوكل المتوكلون . .
وفي مواجهة الصدمة الثانية في كبرته وهرمه وضعفه وحزنه , لم يتسرب اليأس من رحمة ربه لحظة واحدة إلى قلبه:
(قال:بل سولت لكم أنفسكم أمرا , فصبر جميل , عسى الله أن يأتيني بهم جميعا ; إنه هو العليم الحكيم) .
ثم يبلغ تجلي الحقيقة في قلب يعقوب درجة البهاء والصفاء , وبنوه يؤنبونه على حزنه على يوسف وبكائه له حتى تبيض عيناه من الحزن ; فيواجههم بأنه يجد حقيقة ربه في قلبه كما لا يجدونها , ويعلم من شأن ربه ما لا يعلمون ; فمن هنا اتجاهه إليه وحده وشكواه له وبثه , ورجاؤه في رحمته وروحه:
وتولى عنهم وقال:يا أسفا على يوسف ! وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم . قالوا قالوا:تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ! قال:إنما أشكو بثي وحزني إلى الله , وأعلم من الله ما لا تعلمون . يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه , ولا تيأسوا من روح الله . إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون . .
ولقد ذكرهم بما يعلمه من شأن ربه وما يجده من حقيقته في قلبه , وهم يجادلونه في ريح يوسف , وقد صدق الله فيه ظنه:
(ولما فصلت العير قال أبوهم:إني لأجد ريح يوسف , لولا أن تفندون . قالوا:تالله إنك لفي ضلالك القديم . فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا . قال:ألم أقل لكم:إني أعلم من الله ما لا تعلمون ?) .