فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 225412 من 466147

نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف: 99 ، 100] .

237 -لم نتتبع قصة الصديق نبي الله يوسف من وقت أن رموه في الجُبّ ، وأردنا أن نربط بين أجزاء الأسرة لنعرف مقدار ما يتبيِّن من القرآن من حال النفوس في ميعة الشباب وجهالته ، وما يكون منها بعد أن تسكن عواطف الغيرة ، وتتوافر بواعث الرحم.

ذهب إخوة يوسف إلى أبيهم عشاء يبكون ، ورجَّحنا أن يكون بكاء حقيقيًّا ، وليس كدموع التماسيح كما يقولون ، وقلنا: أنها انفعالة الرحم ، وإن لم يكن لها أثر عملي ؛ إذ كانوا يستطيعون أن يعودوا ويستنفذوه من الجبِّ الذي ألقوه فيه ، ويظهر أنهم كانوا بين عاطفتين متضاربتين: عاطفة الرحم الجامعة ، والغيرة الملحة الباعثة على البغضاء ، فذرَفت عيونهم بالعاطفة الأولى ، وأقعدتهم الثانية عن أن يزيلوا ما فعلوا ، وما ارتكبوا في حق أخيهم.

ونترك أولئك الإخوة في حيرتهم ، واضطراب عواطفهم ، ولنتجه إلى الأب المكلوم الذي فقد ولده ، فإنَّا نلاحظ فيه ثلاث عواطف ، كل واحدة تجري على لسانه:

أولها: ألم الفراق الذي أصاب نفسه ، لقد كان ولده الحبيب المقرّب الصغير ، والصغر ذاته يجلب المحبَّة ويجعله أكثر قربًا ، وآثر بالمحبة من غير أن يفقد أحد من أولاده محبته ، فالحب الأبوي يقبل الاشتراك ، ولكن في تفاوت بالسن ، وبالقرب وبالخلق ، وبالمخايل التي تدل على الانفراد بمزايا دون غيره.

والثانية: إنَّ الذين كرثوه بهذه الكارثة التي هدَّت كيانه ، وجعلت عيناه تبيضان من الحزن ، هم أولاده وأفلاذ كبده ، فلا يمكن أن يكونوا أعداءه ، ولا يمكن أن يبغضهم ، لأنَّ بغضهم يكون ضد الفطرة ، وتلك حال لا يصبر عليها إلَّا أولوا النفس القوية التي هي نفوس الأنبياء والصديقين ، وفي الموقف الذي وقفه الشيخ من إحساسه بالألم من أولاده ، مع إحساسه بعاطفته مجال للدرس والتحليل ، وجَّه القرآن الكريم إليه أنظار الدارسين والفاحصين.

الثالثة: إنَّ يعقوب - عليه السلام - كان في قلبه إحساس عميق بأنه سيلقى ابنه في المستقبل ، إن لم يكن في القريب العاجل ففي البعيد الآجل ، فهو إذ يتهم أبناءه ، ويقول لهم: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} يقول أيضًا صابرًا: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ويقول وقد غاب عنه ابنه الثاني بعد أن تباعد الزمان ، وأن يكون قد غمّى على الموضوع النسيان: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت