قلت: معناه: وموطن يوم حنين، أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، ويجوز أن يراد بالموطن الوقت، كمقتل الحسين، على أن الواجب أن يكون {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} منصوبًا بفعل مضمر لا بهذا الظاهر، وموجب ذلك أن قوله: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ} بدل من {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ} ، فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح؛ لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيرًا في جمعيها، فبقي أن يكون ناصبه فعلًا خاصًّا به إلَّا إذا نصبت {إِذْ} بإضمار اذكر، انتهى كلامه.
وصرف حنين؛ لأنه مذكر سمي به، وهو واد بين مكة والطائف عن قتادة. ومن العرب من لا يصرفه يجعله اسمًا للبقعة.
وقوله: {بِمَا رَحُبَتْ} (ما) مع ما بعدها في تأويل المصدر، والباء بمعنى مع، أي: مع رحبها، أي: سعتها. والرحب: السعة في المكان وفيه وجهان:
أحدهما: فلم تجدوا فيها موضعًا يصلح لفراركم.
والثاني: ضاقت عليكم فلم تثبتوا فيها، كما لم يثبت من لا يسعه مكان.
قيل: وحقيقته ملتبسة برحبها، على أن الجار والمجرور في موضع الحال، كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، أي: ملتبسًا بها لم أحلّها، تعني مع ثياب السفر.
وقوله: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} (مدبرين) حال مؤكدة؛ لأن التولية والإِدبار بمعنى.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) } :
قوله عز وجل: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} بفتح الجيم مصدر قولك: نَجِسَ الشيءُ يَنْجَسُ بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر نَجَسًا فهو نَجِس كقَذِرَ يقذَرُ قَذَرًا فهو قَذِرٌ، وهو ضد النظافة.
جُعلوا نفس النجاسة، كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها، أو على تأويل حذف المضاف، أي: ذوو نجس، وكلا الوجهين حسن شائع في كلام القوم.
وإنما كان المشركون نجسًا، لأن معهم الشرك الذي يجري مجرى القذر في أنه يجب أن يتجنب، فسموا باسمه، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون، ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابِسةٌ لهم.