ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَكَلِمَاتِهِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَآيَاتِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَصَّدِّقُوا بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ.
وَلَمْ يُخَصِّصِ الْخَبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ إِيمَانِهِ مِنْ كَلِمَاتِ اللَّهِ بِبَعْضِ دُونَ بَعْضٍ، بَلْ أَخْبَرَهُمْ عَنْ جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ، فَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَعُمَّ الْقَوْلُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْمِنُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ كُلِّهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ظَاهِرُ كِتَابِ اللَّهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فَاهْتَدُوا بِهِ أَيُّهَا النَّاسُ، وَاعْمَلُوا بِمَا أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
يَقُولُ: لِكَيْ تَهْتَدُوا فَتَرْشُدُوا، وَتُصِيبُوا الْحَقَّ فِي اتِّبَاعِكُمْ إِيَّاهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى}
يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ {أُمَّةٌ}
يَقُولُ: جَمَاعَةٌ، {يَهْدُونَ بِالْحَقِّ}
يَقُولُ: يَهْتَدُونَ بِالْحَقِّ: أَيْ: يَسْتَقِيمُونَ عَلَيْهِ وَيَعْمَلُونَ، {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أَيْ: وَبِالْحَقِ يُعْطُونَ وَيَأْخُذُونَ، وَيُنْصِفُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَلَا يَجُورُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَرَّقْنَاهُمْ، يَعْنِي قَوْمَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَّقَهُمُ اللَّهُ فَجَعَلَهُمْ قَبَائِلَ شَتَّى، اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْأَسْبَاطِ فِيمَا مَضَى وَمَنْ هُمْ.