ومن بين ما يمكن الإشارة إليه في الآيات التي تختم بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ان الباري عز وجل يذكر آية من آيات خلقه البديع على وجه التفصيل ولابد من أن تسبق هذه الآية بآيات قبلها دالة على القدرة العظيمة التي ينفرد بها الحق سبحانه.
ولو حذف الفعل (يعقلون) ووضع بدلا عنه (يؤمنون) أو (يسمعون) او (يدركون) او حتى (يتفكرون) لفقدت هذه الآيات جانباً كبيراً من قوتها التعبيرية.
اما قوله جلا وعلا: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ)
فالاختلاف هنا قد جاء في (أفلا يسمعون) فحصل تغيير في الصيغة التي تكررت في الآيات السابقة، وقد يتبادر إلى الذهن: لم لم تختم هذه الآية بقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ؟
إن الخطاب هنا موجه للمشركين كما في الآيات السابقة وقوله: (("القرون"عاد وثمود وقوم لوط(يمشون في مساكنهم) يعني أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم ))فلا بمد ان يسمعوا بأخبار هؤلاء، ولكنهم لم يعتبروا بتلك الأقوام البائدة فختمت الآية بقوله (افلا يسمعون) على سبيل الاستفهام الإنكاري ليكون ذلك ابلغ في دعوتهم ووعظهم.
ومثلما وردت صيغة (ان في ذلك لايات ... ) فقد وردت صيغة قرآنية مباركة أخرى قريبة منها وهي (ان في ذلك لآية) ، كما في قوله جل شأنه (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) .
وقوله: (("ان في"انبات تلك الصفات(لاية) على ان منبتها قادر على إحياء الموتى، وقد علم الله ان أكثرهم مطبوع على قلوبهم غير مرجو إيمانهم).