أحدهما: أنه من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو السكر. ونظيره قولهم: أحصد الزرع إذا حان حصاده وأقطف العنب إذا حان قطافه ، وهذا القول معناه راجع إلى الأول.
والثاني: أنه من أنزف القوم إذا فنيت خمورهم ، ومنه قول الحَطيئة:
لعمري لئن أنزفتموا أو صحوتموا... لَبِئس الندامى أنتم آل ابجرا
وجماهير العلماء على أن الخمر نجسة العين لما ذكرنا ، وخالف في ذلك ربيعة واللَّيث ، والمزني صاحب الشافعي ، وبعض المتأخِّرين من البغدادِيِّين والقرويِّين ، كما نقله عنهم القرطبي في تفسيره.
واستدلُّوا لطهارة عينها بأن المذكورات معها في الآية من مال ميسر ، ومال قِمار وأنصاب وأَزلام ليست نجسة العين ، وإن كانت محرَّمة الاستعمال.
وأُجيب من جهة الجمهور بأن قوله {رِجسٌ} يقتضي نجاسة العين في الكل ، فما أخْرجه إجماع ، أو نصّ خرج بذلك ، وما لم يخْرجه نصّ ولا إجماع ، لزم الحكم بنجاسته ، لأن خروج بعض ما تناوله العام بمخصّص من المخصصات ، لا يسقط الاحتجاج به في الباقي ، كما هو مقرر في الأصول ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:
وهو حجّة لدى الأكثر إن... مخصّص له معيناً يبِن
وعلى هذا ، فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيُّب به المعروف في اللِّسان الدارجي بالكولانيا نجس لا تجوز الصلاة به ، ويؤيده أن قوله تعالى في المسكر {فاجتنبوه} يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء من المُسكر ، وما معه في الآية بوجه من الوجوه ، كما قاله القرطبي وغيره.