وأمّا ما ورد في حديث أنس أنّ كثيراً من الصحابة غسلوا جرار الخمر لما نودي بتحريم شربها لذلك من المبالغة في التبرّئ منها وإزالة أثرها قبل التمكّن من النظر فيما سوى ذلك، ألا ترى أنّ بعضهم كسر جرارها، ولم يَقُل أحد بوجوب كسر الإناء الذي فيه شيء نجس.
على أنّهم فعلوا ذلك ولم يُؤمروا به من الرسول صلى الله عليه وسلم
وذهب بعض أهل العلم إلى عَدم نجاسة عين الخمر.
وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والليث بن سعد، والمُزني من أصحاب الشافعي، وكثير من البغداديين من المالكية ومن القيروانيين؛ منهم سعيد بن الحَدّاد القيرواني.
وقد استدلّ سعيد بن الحدّاد على طهارتها بأنّها سُفِكت في طرق المدينة، ولو كانت نجساً لنهوا عنه، إذ قد ورد النهي عن إراقة النجاسة في الطرق.
وذكر ابن الفرس عن ابن لبابة أنّه أقام قولاً بطهارة عين الخمر من المذهب.
وأقول: الذي يقتضيه النظر أنّ الخمر ليستْ نَجَس العين (1) ، وأنّ مسَاق الآية بعيد عن قصد نجاسة عينها، إنّما القصد أنّها رجس معنوي، ولذلك وصفه بأنّه من عَمَل الشيطان، وبيّنه بعدُ بقوله: {إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة} ، ولأنّ النجاسة تعتمد الخباثة والقذارة وليست الخمر كذلك، وإنّما تنزّه السلف عن مقاربتها لتقرير كراهيتها في النفوس. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}
(1) هذا الكلام فيه نظر.