وحال أبي عبيد حيث يوجب الكفارة بعقد اليمين، وعنده اليمين الغموس يمين لا يجب فيها الكفارة، فهذا يوضح أن الكفارة تجب للذي يرد في اليمين لا لنفسها، واللَّه أعلم.
ثم احتج قوم بوجوب الكفارة بعقد اليمين بقوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) ثم قال: (فَكَفَّارَتُهُ) - أي: عندهم - كفارة ما عقد من الأيمان بما فيها الإضافة، ولم يسبق غير ذلك العقد يضاف إليه؛ وكقوله: (ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ) أضيف إلى اليمين؛ وعلى ذلك تسمية المؤمنين كفارة اليمين مع ما فيه وجهان من المعتبر:
أحدهما: ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - لما رأى بحمزة الطعنة أقسم لَيُمَثلَنَّ بكذا من قريش؛ فنزل النهي عن الوفاء بذلك؛ فكفر عن يمينه. ومعلوم أنه لا يحنث في يمينه إلا في الوقت الذي لا يحتمل بز مسألة في حياته ثبت أنها كانت لليمين؛ وكذا ما جاء:"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ..."إلى أن قال:"وَلْيُكَفرْ عَنْ يَمِينِهِ"إنما أمر بتكفير يمينه، واللَّه أعلم.
والثاني: ذكر أبو عبيد أن اللَّه إذ نهي عن الوعد إلا بالثنيا بقوله: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)، فذلك النهي في اليمين أوكد وأشد، فمن حلف بلا ثنيا عصى اللَّه؛ فيلزمه الكفارة.
والأصل عندنا: أن الكفارة تجب للحنث في اليمين؛ إذ هي كفارة، والكفارات إنما تكون للسيئات؛ كقوله - تعالى -: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) ، وغير ذلك من الآيات. ومن البعيد في العقل طلب تكفير الحسنات، بل الحسنات تكفر السيئات، والحنث في التحقيق اسم المأثم.