وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَمَّ بِذِكْرِ الرَّقَبَةِ كُلَّ رَقَبَةٍ، فَأَيُّ رَقَبَةٍ حَرَّرَهَا الْمُكَفِّرُ يَمِينِهِ فِي كَفَّارَتِهِ فَقَدْ أَدَّى مَا كُلِّفَ، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحُجَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَعْنِهِ بِالتَّحْرِيرِ، فَذَلِكَ خَارِجٌ مِنْ حُكْمِ الْآيَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَجَائِزٌ تَحْرِيرُهُ فِي الْكَفَّارَةِ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ. وَالْمُكَفِّرُ مُخَيَّرٌ فِي تَكْفِيرِ يَمِينِهِ الَّتِي حَنِثَ فِيهَا بِإِحْدَى هَذِهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَذَلِكَ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ، أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْجَمِيعِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنَ الْجَمِيعِ لَيْسَ كَمَا قُلْنَا
لِمَا [روي] عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: جَاءَ نُعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: إِنِّي آلَيْتُ مِنَ النِّسَاءِ وَالْفَرَاشِ، فَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الْآيَةَ: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ، قَالَ: فَقَالَ نُعْمَانُ: إِنَّمَا سَأَلْتُكَ لِكَوْنِي أَتَيْتُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «ائْتِ النِّسَاءَ وَنَمْ وَأَعْتِقْ رَقَبَةً، فَإِنَّكَ مُوسِرٌ»
وعَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ نُعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: إِنِّي حَلَفْتُ أَنْ لَا أَنَامَ عَلَى فِرَاشِي سَنَةً، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَنَمْ عَلَى فِرَاشِكَ، قَالَ: بِمَ أُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِي؟ قَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً فَإِنَّكَ مُوسِرٌ»