وليس من روى الأحاديث على منابر الوعظ، وعقد حلقة للتدريس في كتاب من الحديث بمحدِّثٍ حتى يتصف بما ذكروه في وصف المحدث فضلًا عن أن يكون حافظًا، فالمقصود من كل من وفقه الله تعالى فنظر في أحوال نفسه، ورام تكميلها أن يلتفت إلى إحياء ما أمكنه مما درس من علم الحديث، ولا أقل من أن يعتني برواية كتبه التي قرأها على شيخه، ولا سيما ما حفظه من المسائل والفوائد والتعليقات؛ فإن الأسانيد أنساب الكتب كما قالوا في آداب المتعلم.
والمقصود الأعظم من ذلك أن لا تنقطع هذه الخصوصية من هذه الأمة المحمدية، وتصان الأخبار والآثار عن الانقطاع والاندثار.
وإذا اعتنى بالرواية فلا بد من التثبت فيها، وإلا هلك وأهلك، كما في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:"هَلاكُ أُمَّتِي في ثَلاثٍ: في القَدَرِيِّةِ، والعَصَبِيَّةِ، والرِّوايَةِ مِنْ غير تَثَبُّتٍ. رواه البزار عن ابن عباس، والطبراني عن أبي قتادة - رضي الله عنه -."
40 -ومن أعمال بني إسرائيل، ومن بعدهم: القصص.
روى الطبراني - ورجاله موثقون - عن خباب رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ بَنِي إِسْرائِيْلَ لَمَّا هَلَكُوا قَصُّوا".
وقد وردت أحاديث وآثار تدل على ذم القصص، حتى قال إبراهيم النخعي: الحمد لله الذي لم يجعلنا ممن يذهب إلى قاصٍّ، ولا إلى بيعة، ولا إلى كنيسة. رواه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب"القصاص والمذكرين".
وقال أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى: لأنَّ أرى في ناحية المسجد نارًا تأجج أحب إلى من أن أرى في ناحيته قاصًا يقص.
وإنما أنكر القصص من أنكره من السلف وذمَّه لأمور:
أحدها: أنَّه يشغل عما هو أهم منه من تعلم القرآن وتلاوته، ورواية الحديث، والتفقه في الدين.
الثاني: أن في القرآن والسنة من الموعظة ما يغني عما سواه.
الثالث: أنهم لما رأوا القُصَّاص لا يتحرَّون الصواب، ولا يتحرَّزون من الخطأ أنكروه.
ولفظ أثر أبي إدريس في رواية أبي نعيم في"الحلية": لأنَّ أرى في ناحية المسجد نارًا تَقِدُ أحب إلي من أن أرى فيها رجلًا يقص ليس بفقيه.
الرابع: أن القصاص لا يجتمع عليهم في الغالب إلا العوام، فربما