والإيمان هو الإقرار لله - سبحانه - بهذه الخصائص. الألوهية، والملك، والسلطان ... متفرّدا بها لا يشاركه فيها أحد. والإسلام هو الاستسلام والطاعة لمقتضيات هذه الخصائص .. هو إفراد الله - سبحانه - بالألوهية، والربوبية، والقوامة على الوجود كله - وحياة الناس ضمنا - والاعتراف بسلطانه الممثل في قدره؛ والممثل كذلك في شريعته. فمعنى الاستسلام لشريعة الله هو - قبل كل شئ - الاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته وسلطانه. ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة، واتخاذ شريعة غيرها في أية جزئية من جزئيات الحياة، هو - قبل كل شيء رفض الاعتراف
بألوهية الله وربوبيته وقوامته وسلطانه .. ويستوي أن يكون الاستسلام أو الرفض باللسان أو بالفعل دون القول .. وهي من ثم قضية كفر أو إيمان، وجاهلية أو إسلام.
ومن هنا يجئ هذا النص: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ..
الظَّالِمُونَ .. الْفاسِقُونَ.
والاعتبار الثاني هو اعتبار الأفضلية الحتمية المقطوع بها لشريعة الله على شرائع الناس .. هذه الأفضلية التي تشير إليها الآية الأخيرة في هذا الدرس: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .. والاعتراف المطلق بهذه الأفضلية لشريعة الله، في كل طور من أطوار الجماعة، وفي كل حالة من حالاتها .. هو كذلك داخل في قضية الكفر والإيمان .. فما يملك إنسان أن يدّعي أن شريعة أحد من البشر، تفضل أو تماثل شريعة الله، في أية حالة أو في أي طور من أطوار الجماعة الإنسانية .. ثم يدّعي - بعد ذلك - أنه مؤمن بالله، وأنه من المسلمين .. إنه يدّعي أنه أعلم من الله بحال الناس؛ وأحكم من الله في تدبير أمرهم. أو يدّعي أن أحوالا وحاجات جرت في حياة الناس، وكان الله - سبحانه - غير عالم بها وهو يشرّع شريعته؛ أو كان عالما بها ولكنه لم يشرّع لها! ولا تستقيم مع هذا الادعاء دعوى الإيمان والإسلام مهما قالها اللسان!