وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ هذا تأكيد للأمر بوجوب الحكم بما أنزل الله وحده وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ كائنة ما كانت هذه الأهواء، متلبسة بالدين أو بغيره وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ حذّره وهو رسول مأمون معصوم لتقتدي به أمته، ولتقطع أطماع أهل الأهواء فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: عن الحكم بما أنزل الله إليك، وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ. أي: بذنب التولي عن حكم الله، وإرادة خلافه، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك، وهذا الإبهام لتعظيم التولي، وفيه تعظيم الذّنوب فإن الذنوب بعضها مهلك، فكيف بكلّها. دلّت
الآية جزما أنه لا يتولى إنسان، أو أمة، أو جماعة، أو حكومة عن حكم الله، إلا وسينزل الله بأصحابه مصيبة دنيوية عقوبة لهم على التولّي وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ. أي: لخارجون عن أمر الله
أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ. أي:
يطلبون، إذ يرفضون حكم الله العادل الذي هو أثر عن علمه، ويريدون حكم البشر الذي هو أثر عن القصور والجهل والهوى وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً. أي: لا أحد أحسن من الله حكما لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. فإنهم هم الذين يتبيّنون أن لا أعدل من الله، ولا أحسن حكما منه.
دلّ ذلك على فضيلة اليقين، ومنه نتبيّن أنّ تربية اليقين هي الطريق للعودة إلى حياة الأمة الإسلامية بالقرآن والإسلام والشريعة.
فوائد:
1 - [الحكم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل والقرآن. ما حكمه؟]
(قال النسفي: «ذكر الله إنزال التوراة على موسى عليه السلام، ثم إنزال الإنجيل على عيسى عليه السلام، ثم إنزال القرآن على محمد صلّى الله عليه وسلّم. وبيّن أنه ليس للسماع فحسب بل للحكم به. فقال في الأول(يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) . وفي الثاني (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ) . وفي الثالث (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ) » .
2 - [حكم من لم يحكم بما أنزل الله]