قال صاحب النظم: تأويل: {فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ} لم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى الذين كانوا أمثالكم في الدين بذنوبهم؛ لأنه تعالى لم يكن ليأمر نبيه - عليه السلام - بأن يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، يقولون: فإنا لا نعذب، ولكن أمره بأن يحتج عليهم بما كان وعرفوه. وكثير ما يذكر لفظ المستقبل والمراد به الماضي، كقول عنترة:
ولقد أمُرُّ على اللئيم يسبُني .. البيت
أي: مررت.
وقد بينا هذا في مواضع من هذا الكتاب.
ثم كذبهم في زعمهم فقال تعالى: {بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مَمَّنْ خَلَقَ} .
قال ابن عباس: لحم ودم.
وقال المفسرون: كسائر بني آدم، مجزيون بالإحسان والإساءة.
وقوله تعالى: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} . قال ابن عباس: لمن تاب من اليهودية {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} من مات عليها.
وقال عطاء: {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} من يوحد الله {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} من لا يوحد الله.
وقال السدي: يهدي منكم من يشاء فيغفر له، ويميت منكم من يشاء على كفره فيعذبه.
وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} .
أي أنه يملك ذلك، لا شريك له فيعارضه، وهو يملك المغفرة لمن يشاء والتعذيب لمن يشاء.
قال أهل المعاني: دل بهذا على أنه لا ولد له؛ لأن (من) ملك ذلك استحال أن يكون له شبيه أو شريك أو قسيم.
وقوله تعالى: {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} أي: وإليه يؤول أمر العباد في الآخرة؛ لأنه لا يملك الضر والنفع غيره، كما يملك في الدنيا بتمليكه.
19 -وقوله تعالى: {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} . قال ابن عباس: يريد على انقطاع من الأنبياء.
قال الزجاج: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بعد إنقطاع الرسل؛ لأن الرسل كانت إلى وقت رفع الله عيسى متواترة بعضها في أثر بعض.