كانت دولتا العالم (دولة الفرس في الشرق , ودولة الرومان في الغرب) في تنازعٍ وتجالد مستمرّ دماء بين العالمين مسفوكة , وقوى منهوكة , وأموال هالكة , وظلم من الإحن حالكة . ومع ذلك , فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة والتفنّن في الملاذ بالغةً حدّ مالا يوصف في قصور السلاطين والأمراء , والقواد ورؤساء الأديان من كل أمّة , وكان شره هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حدّ . فزادوا في الضرائب , وبالغوا في فرض الإتاوات , حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم . وأتوا على ما في أيديها من ثمرات أعمالها , وانحصر سلطان القويّ في اختطاف ما بيد الضعيف . وفكّر العاقل , في الاحتيال لسلب الغافل ، وتبع ذلك أن استولى على تلك الشعوب ضروب من الفقر والذل والاستكانة والخوف والاضطراب , لفقد الأمن على الأرواح والأموال . غمرت مشيئة الرؤساء إرادة من دونهم . فعاد هؤلاء كأشباح اللاعب . يديرها من وراء حجاب , ويظنها الناظر إليها من ذوي الألباب , ففقد بذلك الاستقلال الشخصيّ , وظنّ أفراد الرعايا أنهم لم يخلقوا إلا لخدمة ساداتهم وتوفير لذّاتهم , كما هو الشأن في العجماوات مع من يقتنيها . ضلت السادات في عقائدها وأهوائها ، وغلبتها على الحق والعدل شهواتها . ولكن بقي لها من قوة الفكر أردأ بقاياها . فلم يفارقها الذر من أنّ بصيص النور الإلهي ، الذي يخالط الفطر الإنسانية ، قد يفتق الغُلُفَ التي أحاطت بالقلوب ، ويمزّق الحجب التي أسدلت على العقول . فتهتدي العامة إلى السبيل ، ويثور الجم الغفير على العدد القليل ، ولذلك لم يغفل الملوك والرؤساء أن يُنْشِئوا سحباً من الأوهام . ويهيِّئوا كسفاً من الأباطيل والخرافات ، ليقذفوا بها في عقول العامة . فيغلظ الحجاب ، ويعظم الرَّين ، ويختنق بذلك نور الفطرة . ويتم لهم ما يريدون من المغلوبين لهم .