وأما من أوجب الجمع بين المسح والغسل فأخْذاً بالجمع بين القراءتين . ومراد من ذهب إلى وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما . فحكاه من حكاه كذلك . ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء ، وهو معذور . فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه . وإنما أراد ما ذكرته والله أعلم . ثم تأملت كلامه أيضاً فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ} خفضاً على المسح وهو الدلك ، ونصباً على الغسل ، فأوجبهما أخذاً بالجمع بين هذه وهذه . انتهى .
وأما من قال: الواجب هو المسح ، فتمسك بقراءة الجر ، وهو مذهب الإمامية . وأجابوا عن قراء النصب بأنها مقتضية للمسح أيضاً . وقد وقفت على كتاب"شرح المقنعة"من كتبهم فوجدته أطنب في هذا البحث ، ووجه اقتضاء النصب للمسح بأن موضع الرؤوس موضع نصب لوقوع الفعل ، الذي هو المسح عليه . قال: وعلى هذا لا ينكر أن يعطف الأرجل على موقع الرؤوس لا لفظها فينصب ، والعطف على الموضع جائز مشهور في لغة العرب . ثم ساق الشواهد في ذلك وقال بعد: فإن قيل: ما أنكرتم أن تكون القراءة بالنصب لا تقتضي الغسل ، فلا تحتمل المسح . لأن عطف الأرجل على مواضع الرؤوس في الإيجاب توسّع وتجوّز . والظاهر والحقيقة يوجبان عطفها على اللفظ لا الموضع ، قلنا: ليس الأمر على ما توهمتم ، بل العطف على الموضع مستحسن في لغة العرب ، وجائز لا على سبيل الاتساع والعدول عن الحقيقة . فالمتكلم مخير بين حمل الأعراب على اللفظ تارةً ، وبين حيله على الموضع أخرى .