وأما النصارى فلإفساد المعاصي والذنوب الواقعة في أممهم يقل مما كان من اليهود ولا أنواع العذاب النازل عليهم قبل البعثة وفي زمانها وبعدها حتى اليوم ، فهو ذا التاريخ يحفظ عليهم جميع ذلك أو أكثرها ، والقرآن يقص من ذلك شيئا كثيرا كما في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأعراف وغيرها .
وليس لهؤلاء أن يقولوا: إن هذه المصائب والبلايا والفتن النازلة بنا إنما هي من قبيل"البلاء للولاء"ولا دليل على كونها عن سخط إلهى يسحب نكالا ووبالا ، وقد نزل أمثالها على صالحي عباد الله من الأنبياء والرسل كإبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف وزكريا ويحيى وغيرهم ونزل عليكم معاشر المسلمين نظائرها كما في غزوة أحد وموته وغيرهما ، فما بال هذه المكاره إذا حلت بنا عدت أعذبه إلهية وإذا حلت بكم عادت نعما وكرامات .
وذلك أنه لا ريب لأحد أن هذه المكاره الجسمانية والمصائب والبلايا الدنيوية توجد عند المؤمنين كما توجد عند الكافرين ، وتأخذ الصالحين والطالحين معا ، سنة الله التي قد خلت في عباده إلا أنها تختلف عنوانا وأثرا باختلاف موقف الإنسان من الصلاح والطلاح ، مقام العبد من ربه .
فلا ريب أن من استقر الصلاح في نفسه وتمكنت الفضيلة الإنسانية من جوهره كالأنبياء الكرام ومن يتلوهم لا تؤثر المصائب والمحن الدنيوية النازلة عليه إلا فعلية الفضائل الكامنة في نفسه مما ينتفع به وبآثاره الحسنة هو وغيره فهذا النوع من المحن المشتملة على ما يستكرهه الطبع ليس إلا تربية إلهية وإن شئت فقل: ترفيعا للدرجة.
ومن لم يثبت على سعادة أو شقاوة ولم يركب طريق السعادة اللازمة بعد إذا نزلت به النوازل ودارت عليه الدوائر عقبت تعين طريقه وتميز موقفه من كفر أو إيمان ، وصلاح أو طلاح ، ولا ينبغى أن يسمى هذا النوع من البلايا والمحن إلا امتحانات وابتلاءات إلهية تخد للإنسان خده إلى الجنة أو إلى النار .