ويخالف المحققون في النتيجة التي توصل إليها النصارى ، إذ ليس المقصود الوجود الحقيقي للمسيح كشخص ، بل المقصود الوجود القدري والاصطفائي ، أي اختيار الله واصطفاؤه له قديم ، كما قال بولس عن نفسه وأتباعه"كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين" (أفسس 1/4) أي اختارنا بقدره القديم ، ولا يفيد أنهم وجدوا حينذاك ، وهذا الاصطفاء هو المجد الذي منحه الله المسيح ، كما في قوله:"والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يوحنا 17/5) ، وهو المجد الذي أعطاه لتلاميذه حين اصطفاهم واختارهم للتلمذة كما الله اختاره للرسالة"وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني" (يوحنا 17/22)
ومثله عرف إبراهيم المسيح قبل خلقه ، لا بشخصه طبعاً ، لأنه لم يره قطعاً"فقد رآني وابتهج بي"، فالرؤية مجازية ، وهي رؤية المعرفة ، وإلا لزم النصارى أن يذكروا دليلاً على رؤية إبراهيم للابن الذي هو الأقنوم الثاني.
وقول يوحنا على لسان المسيح أنه قال:"من قبل أن يكون إبراهيم كنت أنا" (يوحنا 8/56 - 58) ، لا يدل على وجوده في الأزل ، وغاية ما يفيده النص إذا أخذ على ظاهره أن للمسيح وجوداً أرضياً يعود إلى زمن إبراهيم ، وزمن إبراهيم لا يعني الأزل.
ثم لو كان المسيح أقدم من إبراهيم وسائر المخلوقات ، فإن له لحظة بداية خُلق فيها ، كما لكل مخلوق بداية ، وهو ما ذكره بولس:"الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة" (كولوسي 1/15) ، فهو مخلوق ، لكنه بكر الخلائق أي أولها ، والخلق يتنافى مع الأزلية.