إذن فالمراد من الآية أن الإيمان فيه إيمان قمة ، تؤمن بقوة لكنك لا تعرف اسم هذه القوة ولا مطلوبات هذه القوة ولا ما ادته القوة من ثواب للمطيع ولا من عقاب للعاصي . ولذلك كان ولا بد أن يوجد رسول ؛ لأن العقل يقود إلى ضرورة الإيمان بالله والرسل . وجاء الرسل في موكب واحد لتصفية العقيدة الإيمانية للإله واحد ، فلا يقولن واحد: لقد آمنت بهذا الرسول وكفرت ببقية الرسل . والآية التي نحن بصددها الآن تتعرض لذلك فتقول: {إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً} [النساء: 150]
ونحن نعلم أن"كفر"معناها"ستر". والستر - كما نعلم - يقتضي شيئا تستره ، والشيء الذي يتم ستره موجود قبل الستر لا بعد الستر . والذي يكفر بوجود الله هو من يستر وجود الله ؛ فكأن وجود الله قد سبق الكفر به . إذن فكلمة الكفر بالله دليل على وجود الله . ونقول للكافر: ماذا سترت بكفرك؟ وستكون إجابته هي:"الله". أي أنه آمن بالله أولاً .
{إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ} هم الحمقى ؛ لأن هذا أمر غير ممكن ، وكل رسول إنما جاء ليصل المرسل إليهم بمن أرسله . ولذلك نجد قوله الحق: {وَمَا نقموا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 74]
إنه حدث واحد من الله ورسوله . لذلك نجد أن الحمقى هم من يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله: {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} لهؤلاء نقول: إن الإيمان قضية كلية ، فموكب الرسالة من الحق سبحانه وتعالى يتضمن عقائد واحدة ثابتة لا تتغير . والحق يقول: {إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ} [النساء: 163]