وبذلك يضع الحق الضوابط الإيمانية والنفسية فأزاح الكبت وفي الوقت نفسه لم يقفل باب الطموح الإيماني . لقد سمح للعبد أن يجهر إن وقع عليه ظلم . لكن إن امتلك الإنسانُ الطموحَ الإيماني فيمكنه ألا يجهر وأن يعفو . إذن فهناك فارق بين أمر يضعه الحق في يد الإنسان ، وأمر يلزمه به قسراً وإكراها عليه ؛ فمن ناحية الجهر ، جعل سبحانه المسألة في يد الإنسان ، ويحب سبحانه أن يعفو الإنسان ؛ لأن المبادئ القرآنية يتساند بعضها مع بعض .
وسبحانه يقول: {ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]
فإن أباح الله لك أن تجهر بالسوء من القول إذا ظلمك أحدٌ ، فقد جعل لك ألاّ تجهر بل تعفو عنه ، وغالب الظن أن صاحب السوء يستخزى ويعرف أن هناك أناساً أكرم منه في الخلق ، ولا يتعب إنسانٌ إلا أن يرى إنساناً خيراً منه في شيء . وعندما يرى الظَالمُ أن المظلوم قد عفا فقد تنفجر في نفسه الرغبة أن يكون أفضل منه .
إذن فالمبدأ الإيماني: {ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ} جعله الله مجالاً محبوباً ولم يجعله قسراً ؛ لأنك إن أعطيت الإنسان حقه ، ثم جعلت لأريحيته أن يتنازل عن الحق فهذا إرضاء للكل . وهكذا ينمي الحق الأريحية الإيمانية في النفس البشرية ؛ لأنه لو جعلها قسراً لأصلح ملكة على حساب ملكة أخرى . ولذلك إذا رأيت إنساناً قد اعتدى على إنسان آخر ، فدفع الإنسان المعتدى عليه بالتي هي أحسن وعفا وأصلح فقد ينصلح حال المعتدي ، وسبحانه القائل: {ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} .
فإذا تمادى من بعد ذلك فعلى الإنسان أن يعرف أن الله لا يكذب أبداً ، ولا بد أن الخلل في سلوكك يا من تظن أنك دفعت بالتي هي أحسن .