والمعنى: أن المنافقين من شأنهم الإصرار على المعصية، والتسويف بالتوبة من حين إلى حين حتى يعاين أحدهم الموت، ويغرغر بروحه فيحال بينه وبين التوبة، وحينئذ يتوب فلا تنفعه التوبة؛ إذ"تُقْبَلُ تَوْبَةُ الْعَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ"كما صح في الحديث.
65 -ومنها: إظهار التوبة، وطلب الدعاء من الصالحين باللسان، والقلبُ على خلاف ذلك.
قال الله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (11) } [سورة الفتح: 11] .
وقالت رابعة العدوية رحمها الله تعالى: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين.
والمنافقون أكذبهم.
66 -ومنها - وهي أقبح أعمال المنافقين وأجمعها للشر: تشبههم بمن سلف قبلهم من اليهود والنصارى، والمشركين، والمنافقين، والفجار.
كما قال تعالى: {فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا (69) } [سورة التوبة: 69] .
وقال عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (11) } [سورة الحشر: 11] الآيات إلى قوله تعالى: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة الحشر: 14 - 15] .
قال مجاهد في قوله: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (15) } [سورة الحشر: 15: هم كفار قريش.
وقال قتادة: هم بنو النضير.
وقيل: هم بنو قينقاع.
ورجحه الوالد في"تفسيره".
وقيل: بنو قريظة.
وكل هؤلاء يهود.
وقيل: هم كل الأمم السالفة من عهد نوح عليه السلام إلى زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وإنما قال: {قَرِيبًا} [سورة الحشر: 15] لأن مسافة الدنيا كلها قريبة لانقضائها، وكما أن كل آتٍ قريب فكل ماض منها قريب لتتابعه.