ألم يكن باستطاعة أبي لهب وزوجه أن يقولا في جمع: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، ويتم انتهاء المسألة ؟ ولكن الله الذي لا معقب لحكمه قد قضى بكفرهم ، وبعد أن ينزل الحق هذا القول الفصل في أبي لهب وزوجه يأتي قول الحق في ترتيبه المصحفي ليقول ما يوضح: إياكم أن تفهموا أن هذه القضية تنقض ، فسيصلى أبو لهب ناراً ذات لهب وامرأته حمالة الحطب ، وقال الحق بعدها مباشرة:
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص: 1 - 2]
فلا أحد سيغير حكم الله..
إذن فقوله الحق: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي لا معقب لحكم الله ، فلا إله غيره يعقب عليه. {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} وهذه نتيجة لحكم الله ، فلا يمكن أن يحكم الله للكافرين على المؤمنين. ولن يكون للكافرين حجة أو قوة أو طريق على المؤمنين. وهل هذه القضية تتحقق في الدنيا أو في الآخرة ؟ ونعلم أن الحق يحكم في الآخرة التي تعطلت فيها الأسباب ، ولكنه جعل الأسباب في الدنيا ، فمن أخذ بالأسباب فنتائج الأسباب تعطيه ؛ لأن مناط الربوبية يعطي المؤمن والكافر ، فإن أخذ الكافرون بالأسباب ولم يأخذ المؤمنون بها ، فالله يجعل لهم على المؤمنين سبيلاً ، وقد ينهزم المؤمنون أمام الكافرين.
والحكمة العربية تعلمنا: إياك أن تعتبر أنّ الخطأ ليس من جند الصواب. لأن الإنسان عندما يخطئ يُصَحَّحُ له الخطأ ، فعندما يعلم المدرس تلميذه أن الفاعل مرفوع ، وأخطأ التلميذ مرة ونصب الفاعل ؛ فهذا يعني أنه أخذ القاعدة أولأً ثم سها عنها ، والمدرس يصحح له الخطأ ، فتلتصق القاعدة في رأس التلميذ بأن الفاعل مرفوع. وهكذا يكون الخطأ من جنود الصواب. والباطل أيضاً من جنود الحق.