ومنها اليقين بأن الله مطلع عليك في كل حال، ومشاهد لهواجس ضميرك.
وثمرة ذلك أن يكون الإنسان في خلوته متأدباً في جميع أحواله، كالجالس بمشهد ملك معظم، ينظر إليه محترزاً من كل هيئة تخالف هيئة الأدب والوقار،
وكذا في فكره.
وهذا يورث الحياء والخوف، وذلك يورث فعل الطاعات، واجتناب المعاصي والسيئات: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) } [الجمعة: 4] .
والقلب إذا زاد نور الإيمان فيه أناب إلى الله، وتوكل عليه وحده، وأحب الطاعات، وكره المعاصي.
وبامتثال أوامر الله وفعل كل سنة يزداد نور القلب، وبمخالفة السنن يزيد ظلام القلب، وتحصل العقوبات.
والإيمان يزيد بالطاعات والدعوة، والنظر في الآيات الكونية، والآيات الشرعية، ولكن الباطل لا يزول إلا بالتضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمةالله.
والتضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله ..
والمخلوق كله أوله وآخره .. صغيره وكبيره .. فقيره وغنيه .. أميره ومأموره .. تدبيره وتصريفه .. كله بيد الله وحده لا شريك له .. فهو خالقه ومالكه ومصرفه .. فكما أن أعضاء الإنسان تتحرك كلها بوجود روحه .. فكذلك هذا العالم وما فيه من المخلوقات لا يتحرك إلا بأمره سبحانه.
وجميع المخلوقات نواصيها بيد الله وحده، فالأحوال الشديدة لما حصلت في غزوة بدر، النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة لم يتفكروا من سيكون معهم الفرس أو الروم، ومن يستعينون به منهما؟.
بل هم اجتهدوا كيف يكون الله معنا، فتوجهوا إليه، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - وما زالوا في الدعاء والبكاء حتى نزلت عليهم نصرة الله كما قال سبحانه: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) } [الأنفال: 9، 10] .
ورحمة الناس تكون بتوجيه الناس إلى الله، وإلى عبادة الله، وإلى امتثال أوامر
الله، ليفوزوا برضاه، ويستفيدوا من خزائنه، ويسعدوا بجنته.