ولما كانت هذه الثلاثة مطلوبة لكل أحد، بل هي متضمنة لكل مطالبه، وكل المطالب دونها ووسائل إليها وأسباب لتحصيلها، جاء لفظ التحية دالا عليها بالمطابقة تارة، وهو كمالها، وتارة دالا عليها بالتضمن، وتارة دالا عليها باللزوم فدلالة اللفظ عليها مطابقة: إذا ذكرت بلفظها، ودلالته بالتضمن: إذا ذكر السلام والرحمة، فإنهما يتضمنان الثالث، ودلالته عليها باللزوم: إذا اقتصر على السلام وحده، فإنه يستلزم حصول الخير وثباته إذ لو عدم لم تحصل السلامة المطلقة فالسلامة مستلزمة لحصول الرحمة كما تقدم تقريره.
قد عُرف بهذا فضل هذه التحية وكمالها على سائر تحيات الأمم، ولهذا اختارها الله لعباده، وجعلها تحيتهم بينهم في الدنيا وفي دار السلام.
وقد بان لك أنها من محاسن الإسلام وكماله، فإذا كان هذا في فرع من فروع الإسلام وهو التحية التي يعرفها الخاص والعام، فما ظنك بسائر محاسن الإسلام".بدائع الفوائد (2/ 404) "
وتزداد فرحته أيها الكرام عندما يرى اقتران المصافحة مع بذل السلام بين أهل الإسلام، لما في ذلك من أجر كبير عند العزيز القدير، فعن البراء بن عازب-رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلا غُفِرَ لَهُمَا قبل أَنْ يَفْتَرِقَا".رواه الترمذي (2727) ، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله-.
وعن حذيفة - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمنَ إذا لقيَ المؤمنَ فسلَّمَ عليه، وأخذَ بيدِهِ فصافَحَهُ، تَنَاثَرتْ خَطَايَاهُمَا كما يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجر". رواه الطبراني في الأوسط (1/ 84) ، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله- في السلسلة الصحيحة (526)
ولهذا كان الصحابة الكرام أيها الأفاضل يحرصون عليها، ولا يفرطون فيها، فعن قتادة بن دعامة السدوسي-رحمه الله- قال: قلت لأنس بن مالك -رضي الله عنه- أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ في أَصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال:"نعم".رواه البخاري (5908)
يقول ابن بطال -رحمه الله-:"المصافحة حسنة عند عامة العلماء".شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 44)