وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالا يحاسبني الله عليه خير من أن احتاج إلى الناس. وعن سفيان، وكانت له بضاعة يتاجر بها، وقيل له:
إنها تدنيك من الدنيا فقال: لئن أدنتني من الدنيا، لقد صانتني عنها. وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا، إنكم في زمان إذا احتاج أحدكم، كان أوّل ما يأكل دينه.
وجعل الأموال وسيلة إصلاح شؤون الحياة يقتضي تثميرها وتشغيلها وتنميتها لا اكتنازها وادخارها، كما يقتضي إدارتها بحكمة والاقتصاد في الإنفاق منها، كما سنّ القرآن للمؤمنين بقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا، وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان 25/ 67] . وحث النبي صلّى الله عليه وسلّم على الاقتصاد،
روى أحمد عن ابن مسعود: «ما عال من اقتصد»
وروى الطبراني والبيهقي عن ابن عمر: «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة، والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن العقل نصف العلم» .
ومعنى قوله: وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ: اجعلوا أموالهم مكانا لرزقهم وكسوتهم، بأن تتجروا فيها، فتكون النفقة من ثمرتها وربحها، لا من أصل رأس المال، لئلا يأكله الإنفاق. وهذا مفهوم من جعل الأموال نفسها ظرفا للرزق والكسوة، فقال: فِيها ولم يقل: «منها» .
ومعنى قوله: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً: أن يقول كل ولي للمولى عليه
كلاما طيبا تطيب به نفسه، ويعده وعدا حسنا، كأن يقول للصغير: المال مالك، وما أنا إلا وكيل أمين عليه، وإذا كبرت رددته إليك. وإذا كان سفيها وعظه ونصحه، ورغبه في ترك التبذير والإسراف، وعرفه أن عاقبة ذلك الفقر والحاجة إلى الناس. والقول المعروف: كل ما اطمأنت إليه النفس لحسنه شرعا، أو عقلا من قول أو عمل. وأما المنكر: فهو ما أنكرته النفس لقبحه شرعا أو عقلا.