وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [النساء 4/ 6] . قال الجصاص الرازي الحنفي: أطلق الله تعالى في آية:
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ إيجاب دفع المال من غير قرينة الرشد، ومتى وردت آيتان إحداهما خاصة مضمنة بقرينة فيما تقتضيه من إيجاب الحكم، والأخرى عامة غير مضمنة بقرينة، وأمكن استعمالهما على فائدتهما، لم يجز لنا الاقتصار بهما على فائدة إحداهما، وإسقاط فائدة الأخرى.
ثم ذكر الجصاص رأي أبي حنيفة: وهو وجوب تسليم المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة على أي حال كان، فإذا بلغها ولم يؤنس منه رشد، وجب دفع المال إليه، لقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره، وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد، لاتفاق أهل العلم على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه.
وقال أبو حنيفة: لما بلغ رشده صار يصلح أن يكون جدّا، فإذا صار يصلح أن يكون جدا، فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتم؟! وهل ذلك إلا في غاية البعد؟
ورد ابن العربي على ذلك الرأي فقال: الحكم بخمس وعشرين سنة لا وجه له، لا سيما وأبو حنيفة يرى المقدّرات لا تثبت قياسا، وإنما تؤخذ من جهة النص، وليس في هذه المسألة نص ولا قول من جميع وجوهه، ولا يشهد له المعنى.
والخلاصة: دلت الآية على أمرين:
1 -وجوب دفع أموال اليتامى لهم عند توافر الأهلية الملائمة لإدارة الأموال.
2 -كل وجوه الانتفاع ومنها الأكل بمال اليتيم حرام ومن كبائر الذنوب العظيمة إلا عند الحاجة، عملا بالآية التالية: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء 4/ 6] .
إباحة تعدد الزوجات إلى أربع ووجوب إيتاء المهر
[سورة النساء (4) : الآيات 3 إلى 4]