فهرس الكتاب

الصفحة 893 من 922

فإذا استرت الانتفاضة مدة من الزمن، صار من المحتمل رؤية العسكريين يتنازلون، عاجلًا أم آجلًا، عن مطاردة غير مجدية، ويفضلون - لأسباب سياسية على الأقل - ترك ثوار العصابات وشأنهم في معاقلهم الآمنة. ولقد قلنا سابقًا، أنه لا يمكن لحكومة أن تسمح باستمرار حملة مكلفة، ولا تقدم أية نجاحات يمكن الإعلان عنها فبعد بضعة أسابيع أو بضعة أشهر، تعلن الحكومة عن سحق العصيان، وتعرض جثث عدد من المدنيين لتبرهن عن ذلك، وتعيد قواتها إلى مناطق أقل تعرضًا، مكتفية باحتواء الانتفاضة.

ومن الطبيعي أن يرفض ثوار العصابات هذا الاحتواء، وأن يعمدوا إلى الهجوم، مستفيدين من حرية الحركة التي اكتسبوها مجددًا من أجل شن إغارات ليلية على المراكز المتقدمة المقامة على حافة منطقتهم. وعندما تقوم السلطات بدفع التعزيزات نحو تلك المراكز، ينصب الثوار الكمائن لأرتال التعزيزات.

وتوفر هذه الأعمال للثوار الأسلحة، التي تسمح لهم بتشكيل وحدات جديدة، وتوسيع منطقة العمليات. ويتسلل ثوار العصابات عبر خطوط الجيش، ويهاجمون الحاميات الموجودة في القرى البعيدة، ويحتلون المزارع والقرى التي لم يستطع العدو التمسك بها بسبب الكلفة الاقتصادية. ويحاولون تثبيط همة العدو، أو منعه نهائيًا من إرسال القوافل العسكرية إلى بعض المناطق، وذلك بلغم الطرقات، ونصب الأفخاخ للدبابات، وتنظم دفاع في العمق، لجعل الاختراق مكلفًا أكثر فأكثر، دون إطالة مدة المقاومة في أي موقع.

وعندما تبلغ حرب العصابات أشُدها، يجد الجيش نفسه أمام خيارين: إن تفوقه العددي وتسليحه القوي، يسمحان له بأن يدخل دائمًا إلى منطقة الثوار بعد أن يتكبد بعض الخسائر، دون أن يحصل على ميزة حقيقية، لأنه ليس للأرض المكتسبة أية قيمة استراتيجية أو اقتصادية بالنسبة إلى التكلفة. وإذا استطاع الجنود حشد قوة كبيرة في مكان ما، فإن ثوار العصابات ينقلون نشاطهم ببساطة إلى مكان آخر. ولا يستطيع الجيش أن يكون موجودًا في كل مكان وفي نفس الوقت. أما إذا لم يبق الجنود في المكان، فإن الأرض تعود إلى الثوار الذين يمكنهم بعد ذلك الإفادة من سكانهم وإنتاجها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت