[وحكومات الدول الصناعية المسيطرة - وبدرجة أعظم من تلك التي تسيطر عليها - تجد نفسها مرتبطة سياسيًا بهذا العامل المتعلق بالصورة الداخلية، وعليها أن تستعمل البلاغة الليبرالية، وأن تقبل الحلول الوسط -المدارس، المستشفيات، رغد العيش للجميع ما عدا السكان المعزولين- من أجل الحفاظ على السلطة وإبقاء الناس في أعمالها العادية التي تقدم الفوائد] .
إذا منطق العدالة الاجتماعية في نظر الفلسفة الرأسمالية ليس أن الناس لهم حقوق، ولكن يجب أن نعطيهم هذا الحد الأدنى من الحقوق حتى يستمروا في العطاء ويستمروا في الانتاج، ويستمروا كذلك كسوق لتصريف البضائع.
[إن ذلك يجعل الحكومات حساسة -لنوع من الحرب حرب عصابات بأسلحة سيكولوجية واقتصادية، كانت تجهلها الحكومات السابقة، حتى لو كانت ممكنة في عصرها- لأنه لا بد لها أن تشغل اقتصادها بأي ثمن، وتحقق الأرباح، أو أن تجهز المواد الأولية أو الأسواق يتوقف عليها اقتصاد آخر أعلى مرتبة، وهي حساسة كذلك، لأنه لا بد له أن تحفظ مظهر الحالة السوية تحت طائل الطرد، ولأنه لا يمكنها أن تتصرف بالقسوة التي يتطلبها الموقف، فلا تستطيع بشكل مكشوف أن تسحق المعارضة التي تنكدها، وعليها أن تغازل وتقمع في الوقت ذاته] .
وهذه فلسفة الغرب كله، ولخصها تشرشل بقوله: (تكلم بلطف، واحمل عصا غليظة) ، هذه الفلسفة طبقوها على المستعمرات، وطبقوها كذلك في السياسة الداخلية لقمع التطلعات، ولكن المشكلة أنهم عصروا جيلا من البدو والأعراب والحكام العملاء المنتشرين في زمان تشرشل، فلما عاشر تشرشل هذه الأسر، قال حكمة يعلم الإنجليز كيف سيوسون العرب: (العربي كالكلب، كلما ركلته لعق حذاءك) ، لأنه عاصر عبد العزيز آل سعود، وعاصر آل نهيان، وعاصر محمد المبارك الصباح، وعاصر البو سعيد قبل قابوس هذا، فهذا الرجل عاصر كل هؤلاء الناس وكان فعلا كلما ركلهم لعقوا حذاءه، فخرج بهذه النتيجة، وسار من بعدهم على هذا المنوال.