ومن الطبيعي أن ينسحب الجيش إلى أرض أكثر أمانًا، لكنه يوسّع بذلك المنطقة التي يشرف الثوار عليها، فيزداد تموينهم ومعين تطوعهم، ويحصلون على مجال أكبر للمناورة.
وهناك اعتبار آخر: إن حيازة المناطق المكتظة، يكفل للثوار نوعًا من الأمان. لأن الحكومة - الواقعة تحت تأثيرات سياسية وإنسانية - لا تستطيع السماح بقتل المدنيين دون تمييز (مع أن ذلك ليس بقاعدة كما حدث في فيتنام) .
وقد برهنت التجارب في ماليزيا أو الفلبين، عن الخطر الناتج من الابتعاد عن المناطق المأهولة، حيث نجح العسكريون في كلتا الحالتين في عزل الثوار وفصلهم عن منبع قوتهم، وكانت النتائج قاتلة، بالنسبة إلى ثوار. ومن جهة أخرى، برهن مقاتلوا إيوكا القبارصة، بأنه يمكن أن تنجح حرب العصابات، حتى في جزيرة صغيرة لا تقدم المجال الكبير للمناورة، ولا الملجأ المنيع. وكان جنود غريفاس يرتدُّن إلى التجمعات السكنية إذا ازداد الضغط في الجبال كثيرًا. أما أولئك الذين لا يستطيعون ذلك، فكانوا يعيشون كالثعلب في جحور أُحسن تمويهها، بحيث كان الجنود البريطانيون، يمرون غالبًًا فوقها دون أن يشكو فيها. وكان آخرون يتسترون خلال النهار في مخابئ مجهزة داخل المنازل، حتى إذا حل الليل، خرجوا منها للقيام بهجماتهم. تلك كانت المقاومة السرية الكاملة.
وحتى في المدن الكبرى، حيث مراقبة الشرطة شديدة، كان بإمكان السكان المتعاطفين إخفاء الثوار. وقد استطاع الفرنسيون، بالطرق التعسفية التي استعملوها في مدينة الجزائر، تصفية ثوار جبهة التحرير الوطنية عمليًا داخل المدينة. ويرجع ذلك إلى أن المسلمين في حي (القصبة) ، كانوا منفصلين عرقيًا وماديًا عن السكان الفرنسيين. ويستطيع الجنود، وخاصة عندما يكونون من الأجانب، قمع ثورة مدينية، وذلك باعتماد طرق الحرب، أي بمراقبة كل الحركات، وبالإبادة الشرسة لسكان أي حي يبدي مقاومة أمامهم. ومن الممكن الإخضاع التدريجي لسكان مدينة بتجويعهم وإرعابهم، لكن هذه الطرق لا تنطبق على الحرب الأهلية حيث لا توجد وسيلة مضمونة للتعرف على أعضاء كل معسكر من المعسكرين المتجابهين.