كنت تعلم أن عبدك هذا قد جاء لينصر دينك ويعلي كلمتك= فأيده وانصره، وإن كنت تعلم أنه جاء ليعتدي على حرمات المسلمين .. .. وكل أعماله= فخذه واقصمه إلخ، قال الراوي: كل ذلك وقازان يؤمن على دعائه، وذكر الراوي أن الوفد جمعوا ثيابهم لا يدرون متى سيُضرب عنقه.
فلما خرجوا من عنده قال له شهاب الدين: لا جزاك الله خيرا، -هادولي علماء دمشق-، كدت تهلكنا وتهلك نفسك، والله لا نعود معك، فقال: بل أنا والله لا أعود معكم، قال الراوي: فعاد في موكب من تلاميذه أربعة أو خمسة، وعاد القاضي مع ثلاثمائة شخص من الوفد والتجار والأعيان، قال: فما تسامع الناس والنساء والقادة أن هناك عالما وشيخا جليلا، حتى خرجوا يلتمسون دعائه وبركته، فما دخل ابن تيمية دمشق إلا في موكب من قواد التتار أكثر من ثلاثمائة فارس، ولما خرج شهاب الدين والآخرون من الطريق العام، قال: خرج لهم اللصوص وقطاع الطرق فسلبوهم ثيابهم.
كان المماليك على حالة من الفساد في العقائد وفي البدع، وهي مذكورة في كتب التاريخ، فلما خرجوا إلى القتال= لم يكتف ابن تيمية بداعية ورئيس وفد ومفاوض ومحاور عن الأمة، بل خرج بنفسه إلى المعركة وجيّش الناس، فلما قيل له: قُد الناس، قال: ليس لي أرب في أن أكون قائدا عسكريا، ولكن فلا، فأخذوا الرجل فولوه على المسلمين راية أهل الشام، قال الراوي: فلما اجتمعنا بعسكر التتار وجدنا ابن تيمية وأخاه قد لبسوا الحديد والدروع، فقال -وهذا سمعته من الشيخ الطريري في السعودية نسأل الله أن يفرج عنه- قال له: أوقفني موقف الموت.
فقال له القائد: تريد موقف الموت؟ انظر من حيث انعقد الغبار -يعني حيث يقدم التتار- فهناك الموت، قال: فأخذ أخاه ونفر من المسلمين وانغمس فيهم حتى ما نراه، ثم بعد أن انقضت المعركة جاء يسأل القائد: ما فعل التتار؟ قال له: نصر الله المسلمين، وانحصر التتار في الوادي.
انظر إلى هذا الذي يذهب ليفاوض ثم يذهب للحرب، فهذه الزعامات طبيعي وتلقائي جدا أن تكون أصبحت عمليا سلطة، حتى لا يُفهم هذا خطأ، لأنه الآن يوجد بعض المشوهين والملحقين والمنسوبين إلى التيار الجهادي يظنون أن مجرد قيامهم بالجهاد يعطيهم الحق في تطبيق الأحكام الشرعية والحدود على