من ضريبة البلاء لتزكية جهود أصحاب الدعوات (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم مستهم البأساء والضراء حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصرالله ألا إن نصر الله قريب) هذا هو سبيل أصحاب الدعوات، وليست سبيل أنصاف وأرباع الحلول بطرق المعارضة والديقراطية كنهج دستوري وخيارا متاحا للشعب ليقوم بتأخير العمل الإسلامي إلى الوراء قرونا. لقد كان الزرقاوي يدرك إن الديمقراطيين الإسلاميين يدورون حول أنفسهم، فإذا ما أرادوا التقدم إلى الأمام ساروا إلى الخلف، تماما كالذي يضع العربة أمام الحصان. حذرالزرقاوي من اللعبة الديمقراطية ومسالكها في اعتبارها خيارا متاحا!! ولا ندري ألم يكن أمام الرسل وأصحاب الدعوات من قبل خيارا متاحا في التغيير إلا من خلال الديمقراطية وقوانينها الدستورية. في حين أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقبل أن يسير بتلك الطرق مع قومه حين ساوموه. كان الزرقاوي يرى في وضعهم هذا هو تنكب عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
بعد أن نزل أبو مصعب إلى الأردن في عام 93، كان يجري في تلك الفترة الإعداد لانتخابات المجالس النيابية، فقام الزرقاوي بعد صلاة الجمعة بمسجد الفلاح وخطب في الناس وبين لهم ضرر الديمقراطية، وحثهم على عدم التصويت للإنتخابات، ثم حث الإسلاميين على ترك ميدان المجالس النيابية والعودة إلى محاضنهم الأولى في المساجد للتربية والدعوة والبعد عن مزالق السياسة فهي ليست موطنهم ولا محضنهم. كان يعتبر الإسلاميين على اختلاف مشاربهم ليسوا أهلا للسياسة، فالسياسة لا دين لها ولا مذهب، ولا يسير في فلك السياسة، حسب تصور أرباب السياسة إلا من لا خلاق له، فهي معدن الكذب ومحطة الأفك. كان يعلم أن السياسة كمبدأ وفن جديرة بالإهتمام، ولكن ليس على طريقة سياسيي العصر وأهوائهم تلك التي يعيش بها الساسة، ويسلكون فجاجها، فجل هؤلاء اتخذوا السياسة دين من دون الإسلام، ليهدموا بها معالم هذا الدين. كان الزرقاوي كثيرا ما يمدح تربية الشباب والأفراد ويعيب على قيادتهم الإنخراط في العمل السياسي، والولوج في السياسات المتميّعة، والإقتراب من الحكومات ومجالس النيابة والشعب، حيث كان يعتبرها مضيعة للوقت وخللا في الدين باعتبار أن الإسلام لا يلتقي مع الواقع السياسي الوضعي فكلاهما له منهج مغاير للآخر، فمن المحال إجتماعهما الإ بزوال أصول كل منهج وانحراف في مقوماته على حساب المنهج الآخر. كان يعتبر الوضع السياسي للديمقراطيات المعاصرة برمتها مثلها كمثل سم الخياط"خرم ابرة"فمن الظلم للإسلام وحبل الله المتين أن يدخل في سم الخياط"خرم أبرة"ليلتقي مع الجاهلية في أنصاف حلول، فتضيع فيه حقوق الله تعالى والناس .. كان الزرقاوي قبل ذهابه للجهاد يحضر الدروس العامة للإسلاميين، ومحاضراتهم تلك التي تصب في التوجه الجهادي، وحشد الناس لإنتفاضة فلسطين، وفي أول انتخابات نيابية ساهم في الحملة الدعائية للمرشحين الإسلاميين حيث كان في بداية التزامه، وكان قريبا من الإسلاميين فقام بتعليق اليافطات الدعائية في انتخابات 89. لم تك في تلك الأثناء معالمه الفكرية والدعوية قد تحددت وتبلورت بعد. لكنه حين نفر للجهاد من نفس العام، وتفقه في الدين، تغير فكره، وتبلورت ملامح شخصيته الفكرية، فأصبح أكثر نضوجا وبصيرة وفهما، وحينما رجع بعد ثلاثة سنوات ونصف، كان يرى خطورة تلك المجالس النيابية وحرمة الدخول فيها، وذلك لأن الإسلاميين وفق هذا التصور،