لسان حالها، بل مقالها يقول:"من أشد منا قوة"، فأذل كبرياءها، وأرغم أنفها، وضربها في أعز ما تملك وتفتخر به وتهدد به العالم، وما كانت تظن في يوم من الأيام أن تضرب في رمز اقتصادها ورمز دفاعها وقوتها واستخباراتها، لكنه الله القوي العزيز أتاهم من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار. كما وإن سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه معاقبة الظالمين والمستكبرين في الأرض، وإنما لكل أجل كتاب، وكل شيء عنده بمقدار، وقد قال تعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102) ، وقال تعالى (وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) (الحج:48) ، وقال تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (محمد:10) . وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود:102) . وإن ما أصاب أمريكا من الأحداث، وما تلا ذلك من الخوف والأمراض في تلك البلاد هو من سنن الله تعالى، وقد قال تعالى (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الفتح:23) ، وقال تعالى (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر: من الآية43) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (الفتاوى 28/ 434) :"إن نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد صلى الله عليه وسلم يتناولان عموم الخلق بالعموم اللفظي والمعنوي أو بالعموم المعنوي، وعهود الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخر هذه الأمة كما نالت أولها، وإنما قص الله علينا قصص من قبلنا من الأمم لتكون عبرة لنا، فنشبه حالنا بحالهم ونقيس أواخر الأمم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين".
(2) إن لله سبحانه فيما جرى من الأحداث حكمًا عظيمة هي مقتضى اسمه سبحانه (الحكيم) ، قد نعلمها، وقد تخفى علينا، وقد نعلم بعضها، ومما ظهر لنا من الحكم في هذه الأحداث بيان حقائق الإيمان، وتمييز المؤمنين من المنافقين، وإحياء عقيدة الولاء والبراء، وإيقاظ روح الجهاد في سبيل الله، وتبيين عداء الكافرين للمسلمين، ولفت الأنظار إلى بغي أمريكا وظلمها حتى ظهر الحديث عن ذلك الآن داخل أمريكا نفسها، وإثارة الاهتمام بدين الإسلام في الدول الكافرة، والشعور بالعزة، وذهاب اليأس من إمكانية المواجهة بين الإسلام والغرب الكافر.
(3) ننبه الأمة إلى طبيعة المعركة، وأنها معركة بين الكفر والإسلام، خاصة وأن نعرة الحرب الصليبية من جانبهم ظاهرة، و ما ورد من تصريحات من كبار ساستهم ومفكريهم دليل على ذلك، مثل تصريح (بوش) ، وكلام (برلسوكوني) رئيس وزراء إيطاليا، فضلًا عن كثير من المفكرين ورؤساء تحرير الصحف والمجلات المشهورة. كما نجد لغة تحريضية تكرس الطبيعة الصليبية للمعركة، مثل (نحن و هم) ، (صراع الحضارات) ، (قوى الخير وقوى الشر) . والمتتبع للحرب التي تشنها (أمريكا) على كل ما يمت للإسلام بصلة لا يخفى عليه ذلك، فهي حرب على من جاهد في (أفغانستان) يوما من الأيام، وحرب