أصبحت قاعدة ومنهاجا تسيرعليه جموع أمتنا، ويبارك هذا التصور أهل علم وعلماء إسلاميون سياسيون كهنوتيون، حيث أصبحت فيما بعد سنة بفعل الجهد الدؤوب للوبي الإسلامي المسيس، وذلك خوفا من فتنة الناس في الدين وزعزعة العلاقة بينهم وبين الأنظمة على اعتبار أن تلك القضايا خطيرة لا يصلح الخوض فيها، انطلاقا من ورع ديني فاسد وعافية جسدية ومصالح دنيوية مسيسة، تلك القضايا محظور الخوض فيها أومعرفتها تفصيلا على طريقة الكنيسة بمحاكم التفتيش في عصورها الوسطى .. إذا لم يعرف المسلم أحكام دينه بتصور شامل، فكيف سيعرف الحلال والحرام، لكي يفعله أو يجتنبه، وخاصة منها المعلوم من الدين بالضرورة .. كان من تلك القضايا المهمةالتي هي معلومة من الدين بالضرورة، قضية التكفير، والولاء والبراء، إضافة إلى الشرع المبدل واتصاله بالحكم بغير ما أنزل الله، هذه القضايا الثلاثة من أهم ثلاثة قضايا حرص أهل العلم والعلماء المسيسون الكهنوتيون، والإعلام بعدم التعرض لها الإ سلبا للتحذير من أخطارها، حيث نشأت أجيالا لا تفهم هذه الحقائق فهما صحيحا، سواء كان في الإعلام المسخر للحديث بتفصيل مسهب عن جزئيات الشريعة كالصلاة والصوم والحيض والنفاس وغيرها أو في مجالس العلم التي يديرها العلماء ويقضوا فيها السنوات الطوال يعلمون الناس فيها العقيدة والتوحيد بمفهومها النظري المجرد عن التطبيق العملي. كان الزرقاوي يدرك خطورة تلك التصورات المسيسة، وتأثيرها على الناس، ويدرك أن حيلة"التكفيروالخوارج"انطلت على سذج ومغفلي العلماء وطلبة العلم، فكانت مصيدة لهم وأزمة وقعوا فيها، مما أدى إلى انفصاما بين القراءة النظرية للدين، وبين التطبيق العملي له، وأدى ذلك بدوره إلى أزمة ثقة وقراءة لأبجديات الشريعة ومفاهيم الإسلام بين أهل العلم من جهة، وبين أهل العلم وشعوبهم من جهة أخرى، وهذا هو الحد الفاصل بين أهل العلم النظري، وأهل العلم والفقه العملي (الواقع) . كان الزرقاوي يرى خصومة العلماء وطلبة العلم والسياسيين لهم غير مبررة شرعا، ولا تحتمل هذا الهجوم القاتل عليهم، ووصفهم بالفاظ"التكفيريين"و"الخوارج"وإطلاقها عليهم جزافا. وكان يعتبر الهجوم عليهم سياسيا واتخذ إطارا شرعيا ووذلك عن طريق أتخاذ أهل العلم الكهنوتيين مطية ذلولا لتحقيق مآرب الأنظمة .. يرى أن هؤلاء المسيسون لا يستطيعون مواجهته بالأدلة الشرعية فأخذوا يشيعون عنه عبارة"التكفيري"و"الخوارج"حين يبين نواقض الاسلام ويصفها، وكان يرى أنه لا يراد له أن يفسر ما يقع، بل كانوا يروا أن عليه الصمت حتى لا يكون تكفيريا وهكذا .. كان يرى أن معالم الدين ضاعت بين"تكفيري"وغير"تكفيري".
يرى أن علماء الحيض والنفاس يطلقون عليهم التهم جزافا لينفروا منهم العوام قبل الخواص بوصفهم لتلك الألفاظ، في حين كان الزرقاوي يرى أنهم يقومون بذكر نواقض الإسلام، في زمن تورع العلماء جبنا عن قول الحق، وعافية عن تبليغ أصول الإسلام في تلك الأمواج المتلاطمة (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) . لم يكن أبو مصعب يحب الغلو في الدين أوالتنطع ويقول:"إن من شاد الدين غلبه"وكان ينكر في سجنه على أحد إخوته المساجين غلوه في الدين. كذلك لم يكن متطرفا كما يزعم من لا يعرفه، لكنه أخذ الدين بعزم ويقين، شديد في دين الله كعمر رضي الله عنه، وكانت شدته في دين الله تؤخذ عليه من قبل من لا يعرفه أنها تطرف. كان يصفه أعداؤه أنه خوارج وتكفيري