وقال لنا الأفغان أنهم وجدوا جثة ووصفوا لنا هيئته، ودلونا على قبره، فعزم بعض إخوتنا نبش قبره، وبينما نحن نتشاور لحفر القبر، إذ بإعصار شديد يقترب منا ولولا فضل الله لحملنا نحن والسيارة، فعلمنا أن هذا أمر الله وكرامة لأخينا حتى لا تتم عملية فتح القبرعلى شهيدنا، وكان هذا يوم الجمعة 13 رمضان 1990 ودفن في مدينة خوست قرب المطار. أما الشهيد أبو العباس الحائلي مازن مرزوق آلم مازن الحربي من الجزيرة العربية، فقد كان يعيش مع أبي مصعب في نفس الموقع وقد عرفه أبومصعب صامتا تاليا للقرآن، قائما لليل وصائما النهار خدوما لإخوته، ولشدة جمال نفسه، تراه صامتا مبتسما، وتشعرحين تنظر إليه أنه من أهل الأخرة ينتظر الشهادة، وقد كتب في وصيته فقال: إلى أبي الحبيب الذي تمنيت أن أجلس معه ولا أفارقه وأكون له خادما فعندما تأتيك وصيتي، فأوصيك أن لا تبكي علي، وأن تفتخرأن ابنك خرج إلى ساحات البطولة مصنع الرجال. واعلم أن الأجل لا يتأخر ولا يتقدم، والسعيد من اختار موته في سبيل الله وقد تمناها رسول الله صلى الله عليه وسلم. واعلم يا أبي أن ابنك لم يكن عاقا لكنه استجاب لنداء الاسلام وتاجر مع الله تجارة رابحة (يا أيها الذين آمنو هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم) فافرح أن ابنك تاجر مع الله ولا تنظر لفراقي في هذه الدنيا، وأكون لك شفيعا بإذن الله ولوالدتي يوم القيامة، وتجدني في الآخرة عند الحي القيوم، وأرجو منك يا أبي ألا تخرج دمعة على فراقي، وأوصي أهلي ألا يبكوا علي ّ، واعلم أن الجهاد عزة والموت شهادة، وأوصي أخواتي أن يكنّ كالخنساء وأم عمارة وأن يربين أبنائهن على حب الجهاد) تأثر أبو مصعب بأبي العباس الحائلي. وكذلك كان مع أبي مصعب الشهيد أبو الشهيد القطري محمد شاهين فهد الكواري، ذلك العابد الذاكر لله المتبتل صاحب الخلق والأدب، وقد كان صاحبا لصاحبي المجاهد أبو حمزة التبوكي وقد كتب أبو الشهيد في وصيته: إن هذا الدين شجرة لا تروى إلا بالدماء، وأن هذا الدين غال جدا لا بد من الدفاع عنه، والله إن النفس تهون والدم يهون في سبيل الله. يا أهلي .. يا أحبتي تمسكوا بتقوى الله ومحبة الحبيب الغالي سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم، واصبروا على التمسك بشرع الله والعمل به. وأما أنت أيتها الحبيبة الغالية-أمي- وجدت أفضل طريقة لمكافأتك وأرد لك الجميل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم"يشفع الشهيد في سبعين من أهله، أما أنتم يا أصدقائي فاستيقظوا من النوم والغفلة وانظروا حولكم وأنتم يطيب لكم الضحك والتبسم، إن عملاء الخنازير والقردة خدروكم وأشغلوكم في أمور وأشياء هي من الدين ولكن ليس الدين كله. يا ناس أفيقوا واستيقظوا من سباتكم. وأوصي كل ما أملك على هذه الأرض أن ينفق في سبيل الله للمجاهدين. وأما الشهيد أبو مسلم التونسي بحري لسعد فقد كان معه في المقدمات وكتب في وصيته فقال: أمي .. أبي .. أوصيكم بالصبر والتقوى وذكر الله كثيرا ... وإذا شاء الله واتخذني شهيدا لا تبكوا عليّ بل كبروا وهللوا لأن الشهيد يشفع لسبعين من أهله. إخوتي: انفضوا أيديكم مما علق بها من أرجاس الدنيا وأقبلوا على ربكم واقتدوا بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تغرنكم الحياة الدنيا فإن الآخرة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... واعلموا أن الغنى غنى النفس والمعمر من عمر أخراه فهذه الدنيا لا تساوي جناح بعوضة، ولا تركنوا إلى الدنيا واعلموا أننا خلقنا لنعبد الله لا لنلهو. أمي أشهد الله أني أحبك أكثر من نفسي أنت ووالدي الكريم، اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا فاغفر لي مغفرة من عندك، وإلى اللقاء في جنات عدن. وأما شهيد الفتح"