التغيير، متبعا بذلك طريق وشريعة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام الذي أمر الله سبحانه وتعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم باتباعه (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) ، كان هذا التأصيل العلمي والمنهجي وفق معتقد أهل السنة والجماعة لمفهوم التوحيد الخاص والعام وإنزاله على الواقع، وانتقاله من مفهومه النظري إلى المفهوم العملي، وذلك بنبذ الشرك المعاصربإشكاله، ووسائله التشريعية المتمثلة بالأصنام البشرية والدساتير الوضعية، بسلطاتها التشريعية والدستورية حسب تصورهم. المقدسي في كتابه ملة ابراهيم لم يأت بجديد في مجال الفكروالعقيدة، إنما كانت كتاباته مؤصلة تأصيلا علميا وفكريا حسب فهم أئمة المسلمين الذين يعتبرون عند أهل السنة والجماعة شيوخ الإسلام وعلمائه، مثل شيخ الاسلام ابن تيمية وابن كثير وابن قدامة وابن حزم والشيخ محمد بن عبد الوهاب والعلامة أحمد شاكروعلماء الدعوة النجدية. سعة ثقافة المقدسي مكنته من الأطلاع على كتب هؤلاء العلماء وعرض تأصيلاتهم الشرعية في خطوط عامة. وهدفه من ذلك ضرورة توجيه الأنظار لتأصيلات شيوخ الإسلام في كتبهم خاصة، وذلك لأعتبارأن بعض هؤلاء الأئمة عاشوا ظروفا مشابهة لظروفنا في غياب دولة الإسلام سواء كان ذلك في عهد التتار أو في عهود أخرى مرت بها دولة الإسلام في حالات ضعفها، وكان اعتمادهم على تأصيل شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عاش عهد التتار، وكان يعيش أحداثها ومآسيها. شيخ الإسلام ابن تيمية كان إماما وحجة لا يشق له غبار، ومن أفضل من جمع وصنف في تلك الفترة التي عاشتها أمتنا بتناقضاتها، وهي نفس الظروف التي تمر فيها أمتنا في وقتها الحالي. ترجم شيخ الإسلام ابن تيمية خلاصة أقوال أهل الإسلام قاطبة في كتبه، ودون تأصيلاتهم الشرعية التي تلقاها علماء الإسلام وأمتنا بالقبول والإجماع في عهده وبعده. استشهاد المقدسي بالقواعد الكلية التي إعتمد عليها الشيخ ابن تيمية وشيوخ الإسلام العظام كانت عبارة عن نقولا وتطبيقات لأقوال علماء الإسلام السابقين حين احتكم التتار إلى"الياسق"القانون الوضعي، وقبله التتاروبعض المسلمين ليكون بديلا لأهل الإسلام عن الإسلام، وفتن فيه من خضع من المسلمين لحكم التتارواحتكامهم إليه. لم يكن المقدسي والزرقاوي هم أول رواد ودعاة المنهج السلفي. كذلك لم تكن أقوالهم بدعا، حينما قاموا بالتعرض لتلك القضايا الجوهرية والمصيرية، والتي لها ارتباط مباشر في العقائد والدماء ومقاصد الإسلام السامية، والتي قبول الأعمال عند الله وردها لا يكون إلا من خلالها، كان قد سبقهما كثير من علماء الإسلام، بتأصيل تلك المسائل الظاهرة التي تشخص واقعنا مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ أبن كثيروالشيخ محمد بن عبدالوهاب والعلامة أحمد شاكر وشيوخ الدعوة النجدية في الجزيرة العربية في بداية القرن المنصرم، والذين كانت ظروفهم كذلك أشبه بظروفنا، وقاموا باتخاذ أقوال علماء الإسلام، والتوسع في شرحها ووضع قواعدها. كانت ظروفهم تلك، تربة خصبة ومادة غنية أثراها العلماء لتوضيح المسائل التي علمت من الدين بالضرورة، والتي تسمى بالشرائع المتواترة والمسائل الظاهرة، تلك التي تناقلها العامة عن الخاصة فاستوى في علمها جميع الناس عامتهم وخاصتهم، وقامت فيها الحجة التي لا يعذر المرء فيها بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع. تحدث علماء الإسلام عامة بتلك المواضيع التي