كالصواعق والرعود تنزل منبئة وحشية الأنسان لتفتك بأخيه الانسان وتمزيقه، لكنه ثبت لها ثبات البطل الشجاع و لسان حاله: تشجعي فأنا لها. . أنا لها. ويردد:
زلزل زلزلي جنود الفدا ... عرش الباطل دمر وزلزل
إهتف بهم وناد هل من منازل فحب الشهادة في القلب نازل
كان يبكي من خشية الله على الجبل، لكنه أمام وحشية المادة وقوتها، كأن شيئا لم يكن فقد تعود على موسيقاها الصاخبة، وعلم أن أجله بواحدة وليس بكل واحدة، فاطمئن البال وارتاح الضمير .. تروضت نفس المجاهد أبي مصعب لتلك القوة المرعبة والهول الشديد الذي يعتريه من كل جانب فكانت تصنع في نفسه ثباتا وقوة وعزيمة، فهي أياما لا تنسى في بناء ذلك الأساس المتين بناء النفس والإرادة، ولقد أرعب الخوف القلب فألف الخوف، وأصبح الخوف زاد إرادة التحدي ودافعا للثبات والعطاء، وليس ذاك الخوف الذي يوهن النفس ويضعف الإرادة، فالخائف في سبيل الله يرفعه خوفه درجات عند الله، وتتحات عنه ذنوبه كما تحات أوراق الشجر، كان خوف النفس على ذاك الجبل فوق إرادة البشر، لكن تأقلمت معه النفس فهي مشاهد تقشعر لهولها الأبدان، فقد كان يعيش المجاهد لحظات نزاع، ويرى عالما غير الذي يعرفه ودنيا غير التي ألفها، تغيرت الحياة وصقلت والنفس وتفاعلت مع الحدث. وكان الموقف فقد عرف الجرأة والرجولة منذ الصغر لكن الأحداث التي عاشرها كانت تصنع نفسه وتصقلها فرحلة الجهاد تقتضي الرجولة والبطولة ليتحمل الرجل نوعا آخر من التحديات. صنعه هذا الجبل ليواكب رحلة الجهاد فسمت به نفسه وحلقت في سماء الايمان والجهاد، فكان طورغر مرحلة تمحيص وابتلاء وقد رأى الأستشهاد فأصبح يحبه وينشده يتمناه، وأصبح يتبوأ مكانا بين المجاهدين وتحققت أمنيته فكانت أفضل مما تمنى وأصبح أبو مصعب أميرا لجبل طورغر، وقد كان قريبا من العدو ومقدمة له.
لقد كان بإمكان أبي مصعب أن يذهب إلى جبهة أخرى أضعف شوكة وأقل حدة، ليرابط فيها بدل أن يضع نفسه في جبل النار طورغر، لكن حب الجهاد والشهادة والاستشهاد أخذ عليه قلبه فاصبح ديدنه:
لا يبلغ المجد من قدم الحذرا ولا ينال العلا من لم يركب الخطرا
كذلك كان بإمكانه النزول من جبل الموت والناروالتعلل بالاعذاروكلها مقبولة لكي يبقى بعيدا عن الجبل، كان لا يثبت على ذلك الجبل إلا من باع نفسه لله، ولا يصل إلى تلك الساحات الا من اصطفاه الله لتلك المواقف، فالموت يتجدد في كل لحظة، ويجعل من الإستحالة على النفس البقاء في تلك المواقع إلا من محصت نفسه وتأهلت روحه وباعت نفسها لله وخلصت من شوائب الدنيا وأقبلت على الآخرة مشمرة. ولكم قضى على طورغر وجبل قباء ومأسدة الأنصار في جاجي بقيادة القاعدة وقائدها الفذ اسامة بن لادن من شهداء من الأفغان والعرب. . .لم ينزل أبو مصعب عن الجبل ولم يترك لنفسه الوسوسة بالنزول فكان يقطع هواجس النفس والشيطان بذكر الله وتلاوة القرآن والأستغفار، فلان قلبه للصعوبات واستروحها وأصبحت أحب إليه من الشهد فتفتحت روحه ورأى في الجهاد حياة السعداء الحمداء، وأخذ يردد نشيد المعالي والعز والفخاريتردد بين جوانح ذاك الفتى المهاجر المجاهد: