فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 381

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ. وَهُوَ أَنَّ مَا رُوِيَ مِن القُرْآنِ بِطَرِيقِ الآحَادِ - إِذَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا - فَهَلْ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأَخْبَارِ فِي العَمَلِ بِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ. وَالمَنْقُولُ عَن أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأخْبَارِ فِي العَمَلِ بِهِ. وَلِهَذَا أُوْجِبَ التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ الكَفَّارَةِ لِلقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ (( فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ) )وَالَّذِي اخْتَارَهُ: خِلافُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لا سَبِيلَ إِلَى إِثْبَاتِ كَوْنِهِ قُرْآنًا بِطَريقِ الآحَادِ، وَلا إِلى إِثْبَاتِ كَوْنِهِ خَبَرًا. لأَنَّهُ لَم يُرْوَ عَلَى أَنَّهُ خَبرٌ.

الثَّاني: احْتمالُ اللَّفظِ للتَّأويلِ، وَأنْ يكونَ ذَلكَ كَالعطفِ فِي قولِ الشَّاعرِ:

إِلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُما مِ وَلَيثِ الكَتِيبةِ فِي المُزْدَحَمِ

فَقَد وُجِدَ العَطفُ هَهُنا مَعَ اتِّحَادِ الشَّخْصِ. وَعطفُ الصِّفاتِ بعضِها عَلَى بَعضٍ مَوجودٌ فِي كَلامِ العَربِ.

وَرُبَّمَا سَلَكَ بَعضُ مَن رَجَّحَ أنَّ الصَّلاةَ الوُسطَى صَلاةُ الصُّبْحِ: طَرِيقَةً أُخْرَى. وَهُو مَا يَقتضِيهِ قَرينةُ قَولِهِ تَعَالى: {وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} مِن كَونِهَا (( الصُّبْحَ ) )الَّذِي فِيهِ القُنُوتُ. وَهَذَا ضَعيفٌ مِن وَجْهينِ.

أَحدُهمَا: أَنَّ (( القُنوتَ ) )لَفظٌ مُشتَركٌ. يُطلَقُ عَلَى القِيامِ، وَعلى السُّكُوتِ، وَعَلَى الدُّعَاءِ، وَعَلى كَثْرَةِ العِبادَةِ. فَلا يَتعيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى (( القُنُوتِ ) )الَّذِي فِي صَلاةِ الصُّبْحِ.

الثَّانى: أنَّهُ قَد يُعطفُ حُكمٌ عَلَى حُكْمٍ، وَإِنْ لم يَجتَمِعا مَعًا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مُخْتَصِمينِ بهِ. فَالقَرِينةُ ضَعيفةٌ.

وَرُبَّما سَلكُوا طَريقًا أُخْرى. وَهُو إِيرَادُ الأحَاديثِ الَّتِي تدلُّ عَلَى تَأكِيدِ أَمْرِ صَلاةِ الفَجرِ. كَقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَو يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوهُمَا وَلو حَبْوًا ) )وَلِكَوْنِهِمْ كانُوا يَعلَمُونَ نِفاقَ المُنَافِقينَ بِتَأَخُّرِهِمْ عَن صَلاةِ العِشاءِ والصُّبحِ. وَهَذَا مُعارضٌ بِالتَّأكِيداتِ الوَاردَةِ فِي (( صَلاةِ العَصْرِ ) )كَقولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَن صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخلَ الجَنَّةَ ) )وَكقولِهِ: (( فَإِن اسْتَطعْتُم أنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقبلَ غُروبِهَا ) )وَقد حُمِلَ قولُهُ عَزَّ وَجلَّ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ} [ق:39] ، عَلَى صَلاةِ الصُّبحِ وَالعَصْرِ. بَل نَزِيدُ، فَنقولُ: قَد ثَبتَ مِن التَّشْديدِ فِي تركِ صَلاةِ العصرِ مَا لا نَعلمُهُ وَردَ فِي صَلاةِ الصُّبحِ. وَهُو قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَن تَركَ صَلاةَ العصرِ فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ ) ).

وَرُبَّما سَلكَ مَن رَجَّحَ الصُّبْحَ طَريقَ المَعنَى، وهُو أنَّ تَخصِيصَ الصَّلاةِ الوُسطَى بِالأَمْرِ بالمُحافَظةِ لأجْلِ المَشَقَّةِ فِي ذَلِكَ. وَأشَقُّ الصَّلَواتِ: صَلاةُ الصُّبحِ لِأنَّها تَأتِي فِي حالِ النَّومِ والغَفلَةِ. وَقَد قِيلَ: إنَّ أَلَذَّ النَّومِ إِغَفَاءةُ الفَجْرِ. فَناسبَ أنْ تكونَ هِي المَحْثُوثَ عَلَى المُحافظةِ علَيهَا. وَهَذَا قَد يُعَارَضُ فِي صَلاةِ العَصْرِ بِمشقَّةٍ أُخْرى، وَهِيَ أَنَّها وَقْتُ اشْتِغالِ النَّاسِ بِالمعاشِ وَالتَّكَسُّبِ، وَلو لَم يُعَارَضْ بِذلكَ لَكانَ المَعْنَى الَّذِي ذَكرَهُ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ سَاقِطَ الاعْتبارِ، مَعَ النَّصِ عَلَى أنَّها العَصرُ، وِلِلفَضَائلِ وَالمَصَالِحِ مَرَاتبُ لا يُحيطُ بِها البَشرُ. فَالواجبُ اتِّباعُ النَّصِّ فيهَا.

وَرُبَّما سَلكَ المُخالِفُ لِهَذَا المَذهبِ مَسلَكَ النَّظرِ فِي كونِهَا (( وُسْطَى ) )مِن حَيثُ العَدَدُ. وَهَذَا عليه أمْرانِ. أحدُهُما: أَنَّ (( الوُسطَى ) )لا يَتَعيَّنُ أنْ تكونَ من حَيثُ العَدَدُ. فَيجوزُ أنْ تكونَ مِن حَيثُ الفَضلُ، كَما يشيرُ إليهِ قولُهُ تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرةِ:143] ، أيْ: عُدُولًا. الثَّانى: أنَّهُ إِذَا كانَ مِن حَيثُ العَدَدُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يُعَيَّنَ ابتِداءٌ فِي العَدَدِ يقعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت