وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالبَصْرَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَةَ (( كَانَ ) )تُشْعِرُ عُرْفًا بِالدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ، كَمَا يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ يُكْرِمُ الضُّيُوفَ. وَكَانَ فُلَانٌ يُقَاتِلُ العَدُّوَ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ دَأَبَهُ وَعَادَتَهُ.
وَالأَلِفُ وَاللَّامُ فِي (( المَكْتُوبَةِ ) )لِلِاسْتِغْرَاقِ. وَلِهَذَا أَجَابَ بِذِكْرِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِن السَّائلِ العُمُومَ.
وَقَوْلُهُ: (( كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ ) )فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الهَجِيرِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا قَبْلُ أَنَّ (( الهَجِيرَ وَالهَاجِرَةَ ) )شِدَّةُ الحَرِّ وَقُوَّتُهُ.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِصَلَّاةِ الظُّهْرِ: (( الأُولَى ) )لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ أَقَامَهَا جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ.
وَقَوْلُهُ: (( حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ ) )بِفَتْحِ التَّاءِ وَالحَاءِ. وَالمُرَادُ بِهِ هَهُنَا: زَوُالُهَا. وَاللَّفْظةُ مِن حَيْثُ الوَضْعُ أَعَمُّ مِن هَذَا. وَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي وُقُوعَ صَلَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ عِنْدَ الزَّوَالِ. وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ.
وَقَد اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَحْصُلُ بِأَنْ يَقَعَ أَوَّلُ الصَّلَاةِ مَعَ أَوَّلِ الوَقْتِ، بِحَيْثُ تَكُونُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ مُتَقَدِّمَةً عَلَى دُخُولِ الوَقْتِ. وَتَكُونُ الصَّلَاةُ وَاقِعَةً فِي أَوَّلِهِ. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهَذَا القَائِلُ بِظَاهِرِ هَذَا الحَدِيثِ. فَإِنَّهُ قَالَ: (( يُصَلِّي حِينَ تَزُولُ ) )فَظَاهِرُهُ: وُقُوعُ أَوَّلِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِن الوَقْتِ عِنْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: (( يُصَلِّي ) )يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى: (( يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ ) )فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِيقَاعُ جَمِيعِ الصَّلَاةِ حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ. وَمِنْهُمْ مَن قَالَ: تَمْتَدُّ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الوَقْتِ إِلَى نِصْفِ وَقْتِ الاخْتِيارِ. فَإِنَّ النِّصْفَ السَّابِقَ مِن الشَّيءِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أَوَّلُ الوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المُتَأَخِّرِ.
وَمِنْهُمْ مَن قَالَ - وَهُوَ الأَعْدَلُ: إِنَّهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ عَقِيبَ دُخُولِ أَوَّلِ الوَقْتِ، وَسَعَى إِلَى المَسْجِدِ، وَانْتَظَرَ الجَمَاعَةَ - وَبِالجُمْلَةِ: لَمْ يَشْتَغِلْ بَعْدَ دُخُولِ الوَقْتِ إِلَّا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ - فَهُوَ مُدْرِكٌ لِفَضِيلَةِ أَوَّلِ الوَقْتِ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا: فِعْلُ السَّلَفِ وَالخَلَفِ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ يُشَدِّدُ فِي هَذَا، حَتَّى يُوقِعَ أَوَّلَ تَكْبِيرَةٍ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِن الوَقْتِ.
وَقَوْلُهُ: (( وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ ) )مَجَازٌ عَن بَقَاءِ بَيَاضِهَا. وَعَدَمِ مُخَالَطَةِ الصُّفْرَةِ لَهَا؟. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِن الحَدِيثِ السَّابِقِ مِن تَقْدِيمِهَا.
وَقَوْلُهُ: (( وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤخِّرَ مِن العِشَاءِ ) )يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا، لِمَا تَدُلُّ عَلَيهِ لَفْظَةُ (( مِن ) )مِن التَّبْعِيضِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ رَاجِعَةٌ إِلَى الوَقْتِ، أَو الفِعْلِ المُتَعَلِّقِ بِالوَقْتِ.
وَقَوْلُهُ: (( الَّتِي تَدْعُونَهَا: العَتَمَةَ ) )اخْتِيَارٌ لِتَسْمِيَتِهَا بِالعِشَاءِ، كَمَا فِي لَفْظِ الكِتَابِ العَزِيزِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِالعَتَمَةِ مَا يَقْتَضِي الكَرَاهَةَ , وَوَرَدَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ تَسْمِيَتُهَا بِالعَتَمَةِ. وَلَعَلَّهُ لِبَيَانِ الجَوَازِ، أَوْ لَعَلَّ المَكْرُوهَ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهَا اسْمُ (( العَتَمَةِ ) )بِحَيْثُ يَكُونُ اسْمُ (( العِشَاءِ ) )لَهَا مَهْجُورًا، أَوْ كَالمَهْجُورِ.
(( وَكَرَاهِيَةُ النَّوْمِ قَبْلَهَا ) )لِأَنَّهُ قَد يَكُونُ سَبَبًا لِنِسْيَانِهَا، أَوْ لِتَأْخِيرِهَا إِلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا المُخْتَارِ. (( وَكَرَاهَةُ الحَدِيثِ بَعْدَهَا ) )،